فهرس الكتاب

الصفحة 3270 من 8321

اعلم أنه تعالى لما قال: { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } ثم بين تعالى أن من شرط حصول الرحمة لأولئك المتقين ، كونهم متبعين للرسول النبي الأمي ، حقق في هذه الآية رسالته إلى الخلق بالكلية . فقال: { قُلْ يا أَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } وفي هذه الكلمة مسألتان:

المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن محمدًا E مبعوث إلى جميع الخلق . وقال طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية وهم أتباع عيسى الأصفهاني: أن محمدًا رسول صادق مبعوث إلى العرب . وغير مبعوث إلى بني إسرائيل . ودليلنا على إبطال قولهم؛ هذه الآية . لأن قوله: { أَيُّهَا الناس } خطاب يتناول كل الناس .

ثم قال: { إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } وهذا يقتضي كونه مبعوثًا إلى جميع الناس ، وأيضًا فما يعلم بالتواتر من دينه ، أنه كان يدعى أنه مبعوث إلى كل العالمين . فأما أن يقال: إنه كان رسولًا حقًا أو ما كان كذلك ، فإن كان رسولًا حقًا ، امتنع الكذب عليه . ووجب الجزم بكونه صادقًا في كل ما يدعيه ، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي كونه مبعوثًا إلى جميع الخلق ، وجب كونه صادقًا في هذا القول ، وذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثًا إلى العرب فقط ، لا إلى بني إسرائيل .

وأما قول القائل: إنه ما كان رسولًا حقًا ، فهذا يقتضي القدح في كونه رسولًا إلى العرب وإلى غيرهم ، فثبت أن القول بأنه رسول إلى بعض الخلق دون بعض كلام باطل متناقض .

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: { ياأيها الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } من الناس من قال إنه عام دخله التخصيص ومنهم من أنكر ذلك ، أما الأولون فقالوا: إنه دخله التخصيص من وجهين: الأول: أنه رسول إلى الناس إذاكانوا من جملة المكلفين فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولًا إليهم ، وذلك لأنه E قال: « رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق » والثاني: أنه رسول الله إلى كل من وصل إليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه ، حتى يمكنه عند ذلك متابعته ، أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف العالم لم يبلغهم خبر وجوده ولا خبر معجزاته ، فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته ومن الناس من أنكر القول بدخول التخصيص في الآية من هذين الوجهين:

أما الأول: فتقريره أن قوله: { يا أَيُّهَا الناس } خطاب وهذا الخطاب لا يتناول إلا المكلفين وإذا كان كذلك فالناس الذين دخلوا تحت قوله: { يا أَيُّهَا الناس } ليسوا إلا المكلفين من الناس ، وعلى هذا التقدير فلم يلزم أن يقال: إن قوله: { يا أَيُّهَا الناس } عام دخله التخصيص .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت