فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 8321

اعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } قالوا: إنهم لما عرفوا خطأهم في هذا السؤال رجعوا وتابوا واعتذروا عن خطئهم بقولهم: { سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } والذين أنكروا معصيتهم ذكروا في ذلك وجهين: الأول: أنهم إنما قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون ما سئلوا عنه وذلك لأنهم قالوا إنا لا نعلم إلا ما علمتنا فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه ، الثاني: أن الملائكة إنما قالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا } لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقلنا لك أتجعل فيها من يفسد فيها وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها . وههنا مسائل:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا بقوله تعالى: { لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } على أن المعارف مخلوقة لله تعالى وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم لنا إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة والجواب أن التعليم عبارة عن تحصيل العلم في الغير كالتسويد فإنه عبارة عن تحصيل السواد في الغير لا يقال التعليم عبارة عن إفادة الأمر الذي يترتب عليه العلم لو حصل الشرط وانتفى المانع ولذلك يقال علمته فما تعلم والأمر الذي يترتب عليه العلم هو وضع الدليل والله تعالى قد فعل ذلك لأنا نقول المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل وذلك النظر فعل العبد فلم يكن حصول ذلك العلم بتعليم الله تعالى وأنه يناقض قوله: { لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } .

المسألة الثانية: احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله تعالى وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة والعرافة ونظيره قوله تعالى: { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } [ الأنعام: 59 ] وقوله: { عالم الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } [ الجن: 26 ، 27 ] وللمنجم أن يقول للمعتزلي إذا فسرت التعليم بوضع الدلائل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله تعالى على أحوال هذا العالم فإذا استدللت بها على هذه كان ذلك أيضًا بتعليم الله تعالى ، ويمكن أن يقال أيضًا إن الملائكة لما عجزوا عن معرفة الغيب فلأن يعجز عنه أحدنا كان أولى .

المسألة الثالثة: العليم من صفات المبالغة التامة في العلم ، والمبالغة التامة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات ، وما ذاك إلا هو سبحانه وتعالى ، فلا جرم ليس العليم المطلق إلا هو ، فلذلك قال { إنك أنت العليم الحكيم } على سبيل الحصر .

المسألة الخامسة: أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء وهو E أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال سبحانه وتعالى لهم عند ذلك: { أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض } والمراد من هذا الغيب أنه تعالى كان عالمًا بأحوال آدم عليه السلام قبل أن يخلقه وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها ، وذلك يدل على بطلان مذهب هشام بن الحكم في أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها ، فإن قيل الإيمان هو العلم ، فقوله تعالى: { يُؤْمِنُونَ بالغيب } يدل على أن العبد يعلم الغيب فكيف قال ههنا: { إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض } والإشعار بأن علم الغيب ليس إلا لي وأن كل من سواي فهم خالون عن علم الغيب وجوابه ما تقدم في قوله: { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } أما قوله: { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } ففيه وجوه: أحدها: ما روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود Bهم أن قوله: { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } أراد به قولهم: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } وقوله: { وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } أراد به ما أسر إبليس في نفسه من الكبر وأن لا يسجد: وثانيها: { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من الأمور الغائبة والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها ولكني لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أن المصلحة في خلقها . وثالثها: أنه تعالى لما خلق آدم رأت الملائكة خلقًا عجيبًا فقالوا ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقًا إلا كنا أكرم عليه منه فهذا الذي كتموا ويجوز أن يكون هذا القول سرًا أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان . ورابعها: وهو قول الحكماء أن الأقسام خمسة لأن الشيء إما أن يكون خيرًا محضًا أو شرًا محضًا أو ممتزجًا وعلى تقدير الامتزاج فإما أن يعتدل الأمر أن أو يكون الخير غالبًا أو يكون الشر غالبًا أما الخير المحض فالحكمة تقتضي إيجاده وأما الذي يكون فيه الخير غالبًا فالحكمة تقتضي إيجاده لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا الفساد والقتل وهو شر قليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من الخيرات فقوله: { إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض } فأعرف أن خيرهم غالب على هذه الشرور فاقتضت الحكمة إيجادهم وتكوينهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت