فهرس الكتاب

الصفحة 4387 من 8321

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا القول بالبعث والحشر والنشر باطل ، فكان القول بالنبوة باطلًا .

أما المقام الأول: فتقريره أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة ، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه ، لأن الشيء إذا عدم فقد فنى ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه ، فالذي يعود يجب أن يكون شيئًا مغايرًا للأول فلا يكون عينه .

وأما المقام الثاني: وهو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة وتقريره من وجهين: الأول: أن محمدًا كان داعيًا إلى تقرير القول بالمعاد ، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعيًا إلى القول الباطل ومن كان كذلك لم يكن رسولًا صادقًا . الثاني: أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب والترهيب عن العقاب ، وإذا بطل ذلك بطلت نبوته .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فنى وصار عدمًا محضًا ونفيًا صرفًا ، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئًا آخر غيره . وهذا القسم واليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل: { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري ، وأما بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح ، لأنه كلام جلي متبادر إلى العقول فتركوه لهذا العذر . ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان:

الوجه الأول: أنه وعد حق على الله تعالى ، فوجب تحقيقه ، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعدًا حقًا على الله تعالى ، وهو التمييز بين المطيع وبين العاصي ، وبين المحق والمبطل ، وبين الظالم والمظلوم ، وهو قوله: { لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كاذبين } وهذه الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة يونس .

والوجه الثاني: في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجدًا للأشياء ومكونًا لها لا يتوقف على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ، وهو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته ومشئته ، وليس لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وإذا كان كذلك ، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الإبتداء وجب أن يكون قادرًا عليه في الإعادة ، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق ، والقول إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل ، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضًا طعنهم في النبوة ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت