اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين ، والكلام فيه من وجوه: أحدها: أن يقال: من القائل { لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض } ؟ وثانيها: ما الفساد في الأرض؟ وثالثها: من القائل: { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } ؟ ورابعها: ما الصلاح؟ .
أما المسألة الأولى: فمنهم من قال: ذلك القائل هو الله تعالى ، ومنهم من قال: هو الرسول عليه السلام ، ومنهم من قال بعض المؤمنين ، وكل ذلك محتمل ، ولا يجوز أن يكون القائل بذلك من لا يختص بالدين والنصيحة ، وإن كان الأقرب هو أن القائل لهم ذلك من شافههم بذلك ، فإما أن يكون الرسول عليه السلام بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين ، وإما أن يقال: إن بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبله منهم وكان ينقلب واعظًا لهم قائلًا لهم: { لاَ تُفْسِدُواْ } فإن قيل: أفما كانوا يخبرون الرسول عليه السلام بذلك؟ قلنا: نعم ، إلا أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا عادوا إلى إظهار الإسلام والندم وكذبوا الناقلين عنهم وحلفوا بالله عليه كما أخبر تعالى عنهم في قوله: { يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر } [ التوبة: 74 ] وقال: { يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ } [ التوبة: 96 ] .
المسألة الثانية: الفساد خروج الشيء عن كونه منتفعًا به ، ونقيضه الصلاح فأما كونه فسادًا في الأرض فإنه يفيد أمرًا زائدًا ، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: أن المراد بالفساد في الأرض إظهار معصية الله تعالى ، وتقريره ما ذكره القفال C وهو أن إظهار معصية الله تعالى إنما كان إفسادًا في الأرض ، لأن الشرائع سنن موضوعة بين العباد ، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه ، فحقنت الدماء وسكنت الفتن ، وكان فيه صلاح الأرض وصلاح أهلها ، أما إذا تركوا التمسك بالشرائع وأقدم كل أحد على ما يهواه لزم الهرج والمرج والاضطراب ، ولذلك قال تعالى: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض } [ محمد: 22 ] نبههم على أنهم إذا أعرضوا عن الطاعة لم يحصلوا إلا على الإفساد في الأرض به ، وثانيها: أن يقال ذلك الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم ، لأنهم لما مالوا إلى الكفر مع أنهم في الظاهر مؤمنون أوهم ذلك ضعف الرسول A وضعف أنصاره ، فكان ذلك يجرىء الكفرة على إظهار عداوة الرسول ونصب الحرب له وطمعهم في الغلبة ، وفيه فساد عظيم في الأرض . وثالثها: قال الأصم: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ، وجحد الإسلام ، وإلقاء الشبه .
المسألة الثالثة: الذين قالوا { إنما نحن مصلحون } هم المنافقون ، والأقرب في مرادهم أن يكون نقيضًا لما نهوا عنه ، فلما كان الذي نهوا عنه هو الإفساد في الأرض كان قولهم: { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } كالمقابل له ، وعند ذلك يظهر احتمالان: أحدهما: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب ، وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين ، لا جرم قالوا: إنما نحن مصلحون ، لأنهم في اعتقادهم ما سعوا إلا لتطهير وجه الأرض عن الفساد . وثانيهما: أنا إذا فسرنا { لاَ تُفْسِدُواْ } بمداراة المنافقين للكفار فقولهم: { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } يعني به أن هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار ، ولذلك حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: