اعلم أن هذه السورة على اختصارها فيها لطائف: إحداها: أن هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة ، وذلك لأن في السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأمور أربعة: أولها: البخل وهو المراد من قوله: { يَدُعُّ اليتيم وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين } [ الماعون: 2 ، 3 ] الثاني: ترك الصلاة وهو المراد من قوله: { الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ } [ الماعون: 5 ] والثالث: المراءاة في الصلاة هو المراد من قوله: { الذين هُمْ يُرَاءونَ } [ الماعون: 6 ] والرابع: المنع من الزكاة وهو المراد من قوله: { وَيَمْنَعُونَ الماعون } [ الماعون: 7 ] فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعة ، فذكر في مقابلة البخل قوله: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } أي إنا أعطيناك الكثير ، فأعط أنت الكثير ولا تبخل ، وذكر في مقابلة: { الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ } قوله: { فَصَلِّ } أي دم على الصلاة ، وذكر في مقابلة: { الذين هُمْ يُرَاءونَ } قوله: { لِرَبّكِ } أي ائت بالصلاة لرضا ربك ، لا لمراءاة الناس ، وذكر في مقابلة: { وَيَمْنَعُونَ الماعون } قوله: { وانحر } وأراد به التصدق بلحم الأضاحي ، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة ، ثم ختم السورة بقوله: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر } أي المنافق الذي يأتي بتلك الأفعال القبيحة المذكورة في تلك السورة سيموت ولا يبقى من دناه أثر ولا خبر ، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل ، وفي الآخرة الثواب الجزيل .
والوجه الثاني: في لطائف هذه السورة أن السالكين إلى الله تعالى لهم ثلاث درجات: أعلاها أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله وثانيها: أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية وثالثها: أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانصباب إلى اللذات المحسوسة والشهوات العاجلة ، فقوله: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } إشارة إلى المقام الأول وهو كون روحه القدسية متميزة عن سائر الأرواح البشرية بالكم والكيف . أمابالكم فلأنها أكثر مقدمات ، وأما بالكيف فلأنها أسرع انتقالًا من تلك المقدمات إلى النتائج من سائر الأرواح ، وأما قوله: { فَصَلّ لِرَبّكَ } فهو إشارة إلى المرتبة الثانية ، وقوله: { وانحر } إشارة إلى المرتبة الثالثة ، فإن منع النفس عن اللذات العاجلة جار مجرى النحر والذبح ، ثم قال: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر } ومعناه أن النفس التي تدعوك إلى طلب هذه المحسوسات والشهوات العاجلة ، أنها دائرة فانية ، وإنما الباقيات الصالحات خير عند ربك ، وهي السعادات الروحانية والمعارف الربانية التي هي باقية أبدية . ولنشرع الآن في التفسير قوله تعالى: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } اعلم أن فيه فوائد:
الفائدة الأولى: أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور ، وكالأصل لما بعدها من السور . أما أنها كالتتمة لما قبلها من السور ، فلأن الله تعالى جعل سورة والضحى في مدح محمد E وتفصيل أحواله ، فذكر في أول السورة ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته أولها: قوله: { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى } ، وثانيها: قوله: