فهرس الكتاب

الصفحة 3658 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه { اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } بين في هذه الآية أن أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة . وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: في رفع قوله: { التائبون العابدون الحامدون السائحون } وجوه: الأول: أنه رفع على المدح ، والتقدير: هم التائبون ، يعني المؤمنين المذكورين في قوله: { اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ } هم التائبون . الثاني: قال الزجاج: لا يبعد أن يكون قوله: { التائبون } مبتدأ ، وخبره محذوف أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضًا ، وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى: { وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } وهذا وجه حسن . لأن على هذا التقدير يكون الوعد بالجنة حاصلًا لجميع المؤمنين ، وإذا جعلنا قوله: { التائبون } تابعًا لأول الكلام كان الوعد بالجنة حاصلًا للمجاهدين . الثالث: { التائبون } مبتدأ أو رفع على البدل من الضمير في قوله: { يقاتلون } الرابع: قوله: { التائبون } مبتدأ ، وقوله: { العابدون } إلى آخر الآية خبر بعد خبر ، أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال . وقرأ أبي وعبد الله { التائبين } بالياء إلى قوله: { والحافظين } وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك نصبًا على المدح . الثاني: أن يكون جرًا ، صفة للمؤمنين .

المسألة الثانية: في تفسير هذه الصفات التسعة .

فالصفة الأولى: قوله: { التائبون } قال ابن عباس Bه: التائبون من الشرك . وقال الحسن: التائبون من الشرك والنفاق . وقال الأصوليون: التائبون من كل معصية ، وهذا أولى ، لأن التوبة قد تكون توبة من الكفر ، وقد تكون من المعصية . وقوله: { التائبون } صيغة عموم محلاة بالألف واللام ، فتتناول الكل فالتخصيص بالتوبة عن الكفر محض التحكم .

واعلم أنا بالغنا في شرح حقيقة التوبة في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: { فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ } [ البقرة: 37 ] .

واعلم أن التوبة إنما تحصل عند حصول أمور أربعة: أولها: احتراق القلب في الحال على صدور تلك المعصية عنه ، وثانيها: ندمه على ما مضى ، وثالثها: عزمه على الترك في المستقبل ، ورابعها: أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته ، فإن كان غرضه منها دفع مذمة الناس وتحصيل مدحهم أو سائر الأغراض ، فهو ليس من التائبين .

والصفة الثانية: قوله تعالى: { العابدون } قال ابن عباس Bهما: الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم . وقال المتكلمون هم الذين أتوا بالعبادة ، وهي عبارة عن الإتيان بفعل مشعر بتعظيم الله تعالى على أقصى الوجوه في التعظيم ، ولابن عباس Bهما: أن يقول إن معرفة الله والإقرار بوجوب طاعته عمل من أعمال القلب ، وحصول الاسم في جانب الثبوت يكفي فيه حصول فرد من أفراد تلك الماهية . قال الحسن: { العابدون } هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء . وقال قتادة: قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت