فهرس الكتاب

الصفحة 2830 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام ، ذكر ههنا ما يدل على أنه لا معبود إلا الله وحده وهو هذه الآية ، وذكر فيها أنواعًا كثيرة من الدلائل . أولها: قوله { وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بالحق } أما كونه خالقًا للسموات والأرض ، فقد شرحنا في قوله: { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والأرض } وأما أنه تعالى خلقهما بالحق فهو نظير لقوله تعالى في سورة آل عمران { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } [ آل عمران: 191 ] وقوله: { وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } [ الأنبياء: 16 ] { مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق } [ الدخان: 39 ] وفيه قولان .

القول الأول: وهو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل الكائنات وتصرف للمالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق ، فكان ذلك التصرف حسنًا على الإطلاق وحقًا على الإطلاق .

والقول الثاني: وهو قول المعتزلة أن معنى كونه حقًا أنه واقع على وفق مصالح المكلفين مطابق لمنافعهم . قال القاضي: ويدخل في هذه الآية أنه خلق المكلف أولًا حتى يمكنه الانتفاع بخلق السموات والأرض ، ولحكماء الإسلام في هذا الباب طريقة أخرى ، وهي أنه يقال: أودع في هذه الأجرام العظيمة قوى وخواص يصدر بسببها عنها آثار وحركات مطابقة لمصالح هذا العالم ومنافعه . وثانيها: قوله: { وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } في تأويل هذه الآية قولان . الأول: التقدير وهو الذي خلق السموات والأرض وخلق يوم يقول كن فيكون ، والمراد من هذا اليوم يوم القيامة ، والمعنى أنه تعالى هو الخالق للدنيا ولكل ما فيها من الأفلاك والطبائع والعناصر والخالق ليوم القيامة والبعث ولرد الأرواح إلى الأجساد على سبيل كن فيكون .

والوجه الثاني: في التأويل أن نقول قوله: { الحق } مبتدأ و { يَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } ظرف دال على الخبر ، والتقدير: قوله: { الحق } واقع { يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } كقولك يوم الجمعة القتال ، ومعناه القتال واقع يوم الجمعة . والمراد من كون قوله حقًا في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يقضي إلا بالحق والصدق ، لأن أقضيته منزهة عن الجور والعبث . وثالثها: قوله: { وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } فقوله: { وَلَهُ الملك } يفيد الحصر ، والمعنى: أنه لا ملك في يوم ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه وتعالى ، فالمراد بالكلام الثاني تقريرًا لحكم الحق المبرأ عن العبث والباطل ، والمراد بهذا الكلام تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها ولا معارض .

فإن قال قائل: قول الله حق في كل وقت ، وقدرته كاملة في كل وقت ، فما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين؟

قلنا: لأن هذا اليوم هو اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع ولا ضر ، فكان الأمر كما قال سبحانه: { والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } فلهذا السبب حسن هذا التخصيص ، ورابعها: قوله: { عالم الغيب والشهادة } تقديره ، وهو عالم الغيب والشهادة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت