فهرس الكتاب

الصفحة 4433 من 8321

اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس ، ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الإله المختار الحكيم ، وليكون ذلك تنبيهًا على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم ، فقوله: { جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } قال بعضهم: المراد أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم ، وهذا ضعيف ، لأن قوله: { جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } خطاب مع الكل ، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل ، بل هذا الحكم عام في جميع الذكور والإناث . والمعنى: أنه تعالى خلق النساء ليتزوج بهن الذكور ، ومعنى: { مِّنْ أَنفُسِكُمْ } مثل قوله: { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } [ البقرة: 54 ] وقوله: { فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ } [ النور: 61 ] أي بعضكم على بعض ، ونظير هذه الآية قوله تعالى: { وَمِنْ ءاياته أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا } [ الروم: 21 ] قال الأطباء وأهل الطبيعة: التفاوت بين الذكر والأنثى إنما كان لأجل أن كل من كان أسخن مزاجًا فهو الذكر ، وكل من كان أكثر بردًا ورطوبة فهو المرأة . ثم قالوا: المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الذكر ، ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرًا تامًا في الذكورة ، وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، كان الولد أنثى تامًا في الأنوثة ، وإن انصب إلى الخصية اليمنى ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، كان الولد ذكرًا في طبيعة الإناث وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم ، كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذكور .

واعلم أن حاصل هذا الكلام أن الذكورة علتها الحرارة واليبوسة ، والأنوثة علتها البرودة والرطوبة ، وهذه العلة في غاية الضعف ، فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان مزاجه في غاية البرودة ، ولو كان الموجب للذكورة والأنوثة ذلك لامتنع ذلك ، فثبت أن خالق الذكر والأنثى هو الإله القديم الحكيم وظهر بالدليل الذي ذكرناه صحة قوله تعالى: { والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } .

ثم قال تعالى: { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أزواجكم بَنِينَ وَحَفَدَةً } قال الواحدي: أصل الحفدة من الحفد وهو الخفة في الخدمة والعمل . يقال: حفد يحفد حفدًا وحفودًا وحفدانًا إذا أسرع ، ومنه في دعاء القنوت وإليك نسعى ونحفد ، والحفدة جمع الحافد ، والحافد كل من يخف في خدمتك ويسرع في العمل بطاعتك ، يقال في جمعه الحفد بغير هاء كما يقال الرصد ، فمعنى الحفدة في اللغة الأعوان والخدام ، ثم يجب أن يكون المراد من الحفدة في هذه الآية الأعوان الذين حصلوا للرجل من قبل المرأة ، لأنه تعالى قال: { وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أزواجكم بَنِينَ وَحَفَدَةً } فالأعوان الذين لا يكونون من قبل المرأة لا يدخلون تحت هذه الآية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت