فهرس الكتاب

الصفحة 2624 من 8321

ثم قال تعالى: { لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: { ثلاثة } كسرت بالإضافة ، ولا يجوز نصبها لأن معناه: واحد ثلاثة . أما إذا قلت: رابع ثلاثة فههنا يجوز الجر والنصب ، لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه فيهم .

المسألة الثانية: في تفسير قول النصارى { ثالث ثلاثة } طريقان: الأول: قول بعض المفسرين ، وهو أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله } [ المائدة: 116 ] فقوله { ثالث ثلاثة } أي أحد ثلاثة آلهة ، أو واحد من ثلاثة آلهة ، والدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد } وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار ، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم ، قال الواحدي ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة ، فإنه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم ، لقوله تعالى: { مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ } [ المجادلة: 7 ] .

والطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد ، ثلاثة أقانيم أب ، وابن ، وروح القدس ، وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة ، وعنوا بالأب الذات ، وبالابن الكلمة ، وبالروح الحياة ، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة ، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر ، واختلاط الماء باللبن ، وزعموا أن الأب إلهة ، والابن إله ، والروح إله ، والكل إله واحد .

واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل ، فإن الثلاثة لا تكون واحدًا ، والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادًا وأظهر بطلانًا من مقالة النصارى .

ثم قال تعالى: { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد } في { مِنْ } قولان: أحدهما: أنها صلة زائدة والتقدير: وما إله إلا إله واحد ، والثاني: أنها تفيد معنى الاستغراق ، والتقدير: وما في الوجود من هذه الحقيقة إلا فرد واحد .

ثم قال تعالى: { وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال الزجاج: معناه: ليمسن الذين أقاموا على هذا الدين؛ لأن كثيرًا منهم تابوا عن النصرانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت