فهرس الكتاب

الصفحة 3599 من 8321

اعلم أن هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام وأصناف ، فلهذا السبب يذكرهم على التفصيل فيقول: { وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى } [ التوبة: 61 ] { وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات } [ التوبة: 58 ] { وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّى } [ التوبة: 49 ] { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ } قال ابن عباس Bهما: أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشأم ، فلحقه شدة ، فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس الأنصار ، لئن آتانا من فضله لأصدقن ولأؤدين منه حق الله ، إلى آخر الآية ، والمشهور في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب قال: يارسول الله ادع الله أن يرزقني مالًا . فقال عليه السلام: « يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه » فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالًا لأعطين كل ذي حق حقه ، فدعا له ، فاتخذ غنمًا ، فنمت كما ينمو الدود ، حتى ضاقت بها المدينة ، فنزل واديًا بها ، فجعل يصلي الظهر والعصر ويترك ما سواهما ، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة . وطفق يتلقى الركبان يسأل عن الأخبار ، وسأل رسول الله A عنه ، فأخبر بخبره فقال: « يا ويح ثعلبة » فنزل قوله: { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } فبعث إليه رجلين وقال: « مرا بثعلبة فخذا صدقاته » فعند ذلك قال لهما: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية ، فلم يدفع الصدقة فأنزل الله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله } فقيل له: قد أنزل فيك كذا وكذا ، فأتى الرسول عليه السلام وسأله أن يقبل صدقته ، فقال: إن الله منعني من قبول ذلك فجعل يحثي التراب على رأسه ، فقال E: « قد قلت لك فما أطعتني » فرجع إلى منزله وقبض رسول الله A . ثم أتى أبا بكر بصدقته ، فلم يقبلها اقتداء بالرسول عليه السلام ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر ، ثم لم يقبلها عثمان ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان .

فإن قيل: إن الله تعالى أمره بإخراج الصدقة ، فكيف يجوز من الرسول عليه السلام أن لا يقبلها منه؟

قلنا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى منع الرسول عليه السلام عن قبول الصدقة منه على سبيل الإهانة له ليعتبر غيره به ، فلا يمتنع عن أداء الصدقات ، ولا يبعد أيضًا أنه إنما أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء ، لا على وجه الإخلاص؛ وأعلم الله الرسول عليه السلام ذلك فلم يقبل تلك الصدقة ، لهذا السبب ، ويحتمل أيضًا أنه تعالى لما قال: { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه ، فلهذا السبب امتنع رسول الله عليه السلام من أخذ تلك الصدقة ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت