فهرس الكتاب

الصفحة 6779 من 8321

وقوله تعالى: { ءاخِذِينَ مَا ءاتاهم رَبُّهُمْ } فيه مسائل ولطائف ، أما المسائل:

فالأولى منها: ما معنى آخذين؟ نقول فيه وجهان أحدهما: قابضين ما آتاهم شيئًا فشيئًا ولا يستوفونه بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له . ثانيها: آخذين قابلين قبول راض كما قال تعالى: { وَيَأْخُذُ الصدقات } [ التوبة: 104 ] أي يقبلها ، وهذا ذكره الزمخشري وفيه وجه ثالث: وهو أن قوله: { فِي جنات } يدل على السكنى فحسب وقوله: { ءاخِذِينَ } يدل على التملك ولذا يقال أخذ بلاد كذا وقلعة كذا إذا دخلها متملكًا لها ، وكذلك يقال لمن اشترى دارًا أو بستانًا أخذه بثمن قليل أي تملكه ، وإن لم يكن هناك قبض حسًا ولا قبول برضا ، وحينئذ فائدته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول مستعير أو ضعف يسترد منه ذلك ، بل هو ملكه الذي اشتراه بماله ونفسه من الله تعالى وقوله: { ءاتاهم } يكون لبيان أن أخذهم ذلك لم يكن عنوة وفتوحًا ، وإنما كان بإعطاء الله تعالى ، وعلى هذا الوجه { مَا } راجعة إلى الجنّات والعيون .

وقوله: { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } إشارة إلى ثمنها أي أخذوها وملكوها بالإحسان ، كما قال تعالى: { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى } [ يونس: 26 ] بلام الملك وهي الجنة .

المسألة الثانية: { ءاخِذِينَ } حال وهو في معنى قول القائل يأخذون فكيف قال ما آتاهم ولم يقل ما يؤتيهم ليتفق اللفظان ، ويوافق المعنى لأن قوله: { ءاتاهم } ينبىء عن الانقراض وقوله: { يُؤْتِيهِمْ } تنبيه على الدوام وإيتاء الله في الجنة كل يوم متجدد ولا نهاية له ، ولا سيما إذا فسرنا الأخذ بالقبول ، كيف يصح أن يقال فلان يقبل اليوم ما آتاه زيد أمس؟ نقول: أما على ما ذكرنا من التفسير لا يرد لأن معناه يتملكون ما أعطاهم ، وقد يوجد الإعطاء أمس ويتملك اليوم ، وأما على ما ذكروه فنقول الله تعالى أعطى المؤمن الجنة وهو في الدنيا غير أنه لم يكن جنى ثمارها فهو يدخلها على هيئة الآخذ وربما يأخذ خيرًا مما أتاه ، ولا ينافي ذلك كونه داخلًا على تلك الهيئة ، يقول القائل: جئتك خائفًا فإذا أنا آمن وما ذكرتم إنما يلزم أن لو كان أخذهم مقتصرًا على ما آتاهم من قبل ، وليس كذلك وإنما هم دخلوها على ذلك ولم يخطر ببالهم غيره فيؤتيهم الله ما لم يخطر ببالهم فيأخذون ما يؤتيهم الله وإن دخلوها ليأخذوا ما آتاهم ، وقوله تعالى: { إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِى شُغُلٍ } [ ياس: 55 ] هو أخذهم ما آتاهم وقد ذكرناه في سورة ياس ( 55 ) .

المسألة الثالثة: { ذلك } إشارة إلى ماذا؟ نقول: يحتمل وجهين أحدهما: قبل دخولهم لأن قوله تعالى: { فِي جنات } فيه معنى الدخول يعني قبل دخولهم الجنة أحسنوا ثانيهما: قبل إيتاء الله ما آتاهم الحسنى وهي الجنة فأخذوها ، وفيه وجوه أُخر ، وهو أن ذلك إشارة إلى يوم الدين وقد تقدم . وأما اللطائف فقد سبق بعضها ، ومنها أن قوله تعالى: { إِنَّ المتقين } لما كان إشارة إلى التقوى من الشرك كان كأنه قال الذين آمنوا لكن الإيمان مع العمل الصالح يفيد سعادتين ، ولذلك دلالة أتم من قول القائل أنهم أحسنوا . اللطيفة الثانية: أما التقوى فلأنه لما قال لا إله فقد اتقى الشرك ، وأما الإحسان فلأنه لما قال إلا الله فقد أتى بالإحسان ، ولهذا قيل في معنى كلمة التقوى إنها لا إله إلا الله وفي الإحسان قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت