فهرس الكتاب

الصفحة 4513 من 8321

اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه:

الوجه الأول: أنه تعالى لما قال: { وَكُلَّ شَيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا } كان معناه أن كل ما يحتاج إليه من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد فقد صار مذكورًا . وكل ما يحتاج إليه من شرح أحوال الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، فقد صار مذكورًا . وإذا كان الأمر كذلك فقد أزيحت الأعذار ، وأزيلت العلل فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فقد ألزمناه طائره في عنقه ونقول له: { اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا } .

الوجه الثاني: أنه تعالى لما بين أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدين والدنيا ، مثل آيتي الليل والنهار وغيرهما كان منعمًا عليهم بأعظم وجوه النعم . وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فإنه يكون مسؤولًا عن أعماله وأقواله .

الوجه الثالث: في تقرير النظم أنه تعالى لما بين أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته كما قال: { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56 ] فلما شرح أحوال الشمس والقمر والليل والنهار ، كان المعنى: إني إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها فتصيروا متمكنين من الاشتغال بطاعتي وخدمتي ، وإذا كان كذلك فكل من ورد عرصة القيامة سألته أنه هل أتى بتلك الخدمة والطاعة ، أو تمرد وعصى وبغى ، فهذا هو الوجه في تقرير النظم .

المسألة الثانية: في تفسير لفظ ، الطائر ، قولان:

القول الأول: أن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى شر اعتبروا أحوال الطير وهو أنه يطير بنفسه ، أو يحتاج إلى ازعاجه ، وإذا طار فهل يطير متيامنًا أو متياسرًا أو صاعدًا إلى الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة والنحوسة ، فلما كثر ذلك منهم سمي الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه ونظيره قوله تعالى في سورة يس: { قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } [ يس: 18 ] إلى قوله: { قَالُواْ طائركم مَّعَكُمْ } [ يس: 19 ] فقوله: { وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِى عُنُقِهِ } أي كل إنسان ألزمناه عمله في عنقه . وتدل على صحة هذا الوجه قراءة الحسن ومجاهد: { ألزمناه طائره فِى عُنُقِهِ } .

القول الثاني: قال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ وهو الذي تسميه الفرس البخت ، وعلى هذا يجوز أن يكون معنى الطائر ما طار له من خير وشر ، والتحقيق في هذا الباب أنه تعالى خلق الخلق وخص كل واحد منهم بمقدار مخصوص من العقل والعلم ، والعمر والرزق ، والسعادة والشقاوة . والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك القدر وأن ينحرف عنه ، بل لا بد وأن يصل إلى ذلك القدر بحسب الكمية والكيفية ، فتلك الأشياء المقدورة كأنها تطير إليه وتصير إليه ، فبهذا المعنى لا يبعد أن يعبر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ الطائر ، فقوله: { وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِى عُنُقِهِ } كناية عن أن كل ما قدره الله تعالى ومضى في علمه حصوله ، فهو لازم له واصل إليه غير منحرف عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت