أي إذا علم أن عذاب الله واقع وأنه ليس له دافع فويل إذًا للمكذبين ، فالفاء لاتصال المعنى ، وهو الإيذان بأمان أهل الإيمان ، وذلك لأنه لما قال: { إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ } [ الطور: 7 ] لم يبين بأن موقعه بمن ، فلما قال: { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } علم المخصوص به وهو المكذب ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إذا قلت بأن قوله { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } بيان لمن يقع به العذاب وينزل عليه فمن لا يكذب لا يعذب ، فأهل الكبائر لا يعذبون لأنهم لا يكذبون ، نقول ذلك العذاب لا يقع على أهل الكبائر وهذا كما في قوله تعالى: { كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا } [ الملك: 8 ، 9 ] فنقول المؤمن لا يلقى فيها إلقاء بهوان ، وإنما يدخل فيها ليظهر إدخال مع نوع إكرام ، فكذلك الويل للمكذبين ، والويل ينبىء عن الشدة وتركيب حروف الواو والياء واللام لا ينفك عن نوع شدة ، منه لوى إذا دفع ولوى يلوي إذا كان قويًا والولي فيه القوة على المولى عليه ، ويدل عليه قوله تعالى: { يَدَّعُونَ } [ الطور: 13 ] فإن المكذب يدع والمصدق لا يدع ، وقد ذكرنا جواز التنكير في قوله { وَيْلٌ } مع كونه مبتدأ لأنه في تقدير المنصوب لأنه دعاء ومضى ، وجهه في قوله تعالى: { قَالَ سلام } [ الذاريات: 25 ] والخوض نفسه خص في استعمال القرآن بالاندفاع في الأباطيل ، ولهذا قال تعالى: { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } [ التوبة: 69 ] وقال تعالى: { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضين } [ المدثر: 45 ] وتنكير الخوض يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون للتكثير أي في خوض كامل عظيم ثانيهما: أن يكون التنوين تعويضًا عن المضاف إليه ، كما في قوله تعالى: { إِلًا } [ التوبة: 8 ] وقوله { وَإِنَّ كُلاًّ } [ هود: 111 ] و { بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } [ البقرة: 251 ] . والأصل في خوضهم المعروف منهم وقوله { الذين هُمْ فِى خَوْضٍ } ليس وصفًا للمكذبين بما يميزهم ، وإنما هو للذم كما أنك تقول الشيطان الرجيم ولا تريد فصله عن الشيطان الذي ليس برجيم بخلاف قولك أكرم الرجل العالم ، فالوصف بالرجيم للذم به لا للتعريف وتقول في المدح: الله الذي خلق ، والله العظيم للمدح لا للتمييز ولا للتعريف عن إله لم يخلق أو إله ليس بعظيم ، فإن الله واحد لا غير .