اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان: كافر وهو الذي يقول: { رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا } ومسلم وهو الذي يقول: { رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً } [ البقرة: 201 ] بقي المنافق فذكره في هذه الآية ، وشرح صفاته وأفعاله ، فهذا ما يتعلق بنظم الآية ، والغرض بكل ذلك أن يبعث العباد على الطريقة الحسنة فيما يتصل بأفعال القلوب والجوارح ، وأن يعلموا أن المعبود لا يمكن إخفاء الأمور عنه ثم اختلف المفسرون على قولين منهم من قال: هذه الآية مختصة بأقوام معينين ومنهم من قال: إنها عامة في حق كل من كان موصوفًا بهذه الصفة المذكورة في هذه الآية ، أما الأولون فقد اختلفوا على وجوه:
فالرواية الأولى: أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، وهو حليف لبني زهرة أقبل إلى النبي A وأظهر الإسلام ، وزعم أنه يحبه ويحلف بالله على ذلك ، وهذا هو المراد بقوله: { يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ } غير أنه كان منافقًا حسن العلانية خبيث الباطن ، ثم خرج من عند النبي عليه السلام فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر ، وهو المراد بقوله: { وَإِذَا تولى سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } وقال آخرون المراد بقوله تعالى: { يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ } هو أن الأخنس أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمدًا ابن أختكم ، فإن يك كاذبًا كفاكموه سائر الناس ، وإن يك صادقًا كنتم أسعد الناس به قالوا: نعم الرأي ما رأيت ، قال: فإذا نودي في الناس بالرحيل فإني أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله A ، فسمي لهذا السبب أخنس ، وكان اسمه: أبي بن شريق ، فبلغ ذلك رسول الله A فأعجبه ، وعندي أن هذا القول ضعيف وذلك لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى: { وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ } مذكور في معرض الذم فلا يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح .
والرواية الثانية: في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي A أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرًا من علماء أصحابك ، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع ، ووصل الخبر إلى الكفار ، فركب منهم سبعون راكبًا وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم ، ففيهم نزلت هذه الآية ، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله منبهًا بذلك على حال هؤلاء الشهداء .