وفيه مسائل:
المسألة الأولى: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن المشركين كانوا يعيرون رسول الله A بالفقر ، ويقولون: إن كان غرضك من هذا الذي تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة ، فشق ذلك على رسول الله A حتى سبق إلى وهمه أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيرًا حقيرًا عندهم ، فعدد الله تعالى عليه مننه في هذه السورة ، وقال: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } [ الشرح: 1 ، 2 ] أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية ، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل عن قلبه ما حصل فيه من التأذي بسبب أنهم عيروه بالفقر ، والدليل عليه دخول الفاء في قوله: { فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْرًا } كأنه تعالى قال لا يحزنك ما يقول وما أنت فيه من القلة ، فإنه يحصل في الدنيا يسر كامل .
المسألة الثانية: قال ابن عباس: يقول الله تعالى: خلقت عسرًا واحدًا بين يسرين ، فلن يغلب عسر يسرين ، وروى مقاتل عن النبي E أنه قال:"لن يغلب عسر يسرين"وقرأ هذه الآية ، وفي تقرير هذا المعنى وجهان الأول: قال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام ، وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة ، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئًا واحدًا . وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير ، فكان أحدهما غير الآخر ، وزيف الجرجاني هذا وقال: إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفًا ، إن مع الفارس سيفًا ، يلزم أن يكون هناك فارس واحد ومعه سيفان ، ومعلوم أن ذلك غير لازم من وضع العربية الوجه الثاني: أن تكون الجملة الثانية تكريرًا للأولى ، كما كرر قوله: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } [ المطففين: 10 ] ويكون الغرض تقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب ، كما يكرر المفرد في قولك: جاءني زيد زيد ، والمراد من اليسرين: يسر الدنيا وهو ما تيسر من استفتاح البلاد ، ويسر الآخرة وهو ثواب الجنة ، لقوله تعالى: { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين } [ التوبة: 52 ] وهما حسن الظفر وحسن الثواب ، فالمراد من قوله: «لن يغلب عسر يسرين» هذا ، وذلك لأن عمر الدنيا بالنسبة إلى يسر الدنيا ، ويسر الآخرة كالمغمور القليل ، وههنا سؤالان .
الأول: ما معنى التنكير في اليسر؟ جوابه: التفخيم ، كأنه قيل: إن مع اليسر يسرًا ، إن مع العسر يسرًا عظيمًا ، وأي يسر .
السؤال الثاني: اليسر لا يكون مع العسر ، لأنهما ضدان فلا يجتمعان الجواب: لما كان وقوع اليسر بعد العسر بزمان قليل ، كان مقطوعًا به فجعل كالمقارن له .