فهرس الكتاب

الصفحة 6714 من 8321

إشارة إلى الدليل الذي يدفع قولهم { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } [ ق: 3 ] وهذا كما في قوله تعالى: { أَوَلَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } [ ياس: 81 ] وقوله تعالى: { لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس } [ غافر: 57 ] وقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيىِ الموتى بلى } [ الأحقاف: 33 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: همزة الاستفهام تارة تدخل على الكلام ولا واو فيه ، وتارة تدخل عليه وبعدها واو ، فهل بين الحالتين فرق؟ نقول فرق أدق مما على الفرق ، وهو أن يقول القائل: أزيد في الدار بعد ، وقد طلعت الشمس؟ يذكره للإنكار ، فإذا قال: أو زيدًا في الدار بعد ، وقد طلعت الشمس؟ يشير بالواو إشارة خفية إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين ، كأنه يقول بعد ما سمع ممن صدر عن زيد هو في الدار ، أغفل وهو في الدار بعد ، لأن الواو تنبىء عن ضيف أمر مغاير لما بعدها وإن لم يكن هناك سابق لكنه يومىء بالواو إليه زيادة في الإنكار ، فإن قيل قال في موضع { أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ } [ الأعراف: 185 ] وقال ههنا { أَفَلَمْ يَنظُرُواْ } بالفاء فما الفرق؟ نقول ههنا سبق منهم إنكار الرجع فقال بحرف التعقيب بمخالفه ، فإن قيل ففي ياس سبق ذلك بقوله قال: { مَن يُحيىِ العظام } [ ياس: 78 ] نقول هناك الاستدلال بالسموات لما لم يعقب الإنكار على عقيب الإنكار استدل بدليل آخر ، وهو قوله تعالى: { قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ ياس: 79 ] ثم ذكر الدليل الآخر ، وههنا الدليل كان عقيب الإنكار فذكر بالفاء ، وأما قوله ههنا بلفظ النظر ، وفي الأحقاف بلفظ الرؤية ، ففيه لطيفة وهي أنهم ههنا لما استبعدوا أمر الرجع بقولهم { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } استبعد استبعادهم ، وقال: { أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء } لأن النظر دون الرؤية فكأن النظر كان في حصول العلم بإنكار الرجع ولا حاجة إلى الرؤية ليقع الاستبعاد في مقابلة الاستعباد ، وهناك لم يوجد منهم بإنكار مذكور فأرشدهم إليه بالرؤية التي هي أتم من النظر ، ثم إنه تعالى كمل ذلك وجمله بقوله { إِلَى السماء } ولم يقل في السماء لأن النظر في الشيء ينبىء عن التأمل والمبالغة والنظر إلى الشيء ينبىء عنه ، لأن إلى للغاية فينتهي النظر عنده في الدخول في معنى الظرف فإذا انتهى النظر إليه ينبغي أن ينفذ فيه حتى يصح معنى الظرفية وقوله تعالى: { فَوْقَهُمُ } تأكيد آخر أي وهو ظاهر فوق رؤوسهم غير غائب عنهم ، وقوله تعالى: { كَيْفَ بنيناها وزيناها وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } إشارة إلى وجه الدلالة وأولوية الوقوع وهي للرجع ، أما وجه الدلالة فإن الإنسان له أساس هي العظام التي هي كالدعامة وقوى وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع من أساس البدن ، وزينة السماء أكمل من زينة الإنسان بلحم وشحم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت