فهرس الكتاب

الصفحة 3920 من 8321

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى أخبر عن السفينة أنها استوت على الجودي ، فهناك قد خرج نوح وقومه من السفينة لا محالة ، ثم إنهم نزلوا من ذلك الجبل إلى الأرض فقوله: { اهبط } يحتمل أن يكون أمرًا بالخروج من السفينة إلى أرض الجبل وأن يكون أمرًا بالهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية .

المسألة الثانية: أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولًا ، ثم بالبركة ثانيًا ، أما الوعد بالسلامة فيحتمل وجهين: الأول: أنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة أن نوحًا عليه السلام تاب عن زلته وتضرع إلى الله تعالى بقوله: { وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين } [ هود: 47 ] وهذا التضرع هو عين التضرع الذي حكاه الله تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته من زلته وهو قوله: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } [ الأعراف: 23 ] فكان نوح عليه السلام محتاجًا إلى أن بشره الله تعالى بالسلامة من التهديد والوعيد فلما قيل له: { يانوح اهبط بسلام مّنَّا } حصل له الأمن من جميع المكاره المتعلقة بالدين . والثاني أن ذلك الغرق لما كان عامًا في جميع الأرض فعند ما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان ، فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جميع الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب ، فلما قال الله تعالى: { اهبط بسلام مّنَّا } زال عنه ذلك الخوف ، لأن ذلك يدل على حصول السلامة من الآفات ولا يكون ذلك إلا مع الأمن وسعة الرزق ، ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة هي عبارة عن الدوام والبقاء ، والثبات ، ونيل الأمل ، ومنه بروك الإبل ، ومنه البركة لثبوت الماء فيها ، ومنه تبارك وتعالى ، أي ثبت تعظيمه ، ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء .

فالقول الأول: أنه تعالى صير نوحًا أبا البشر ، لأن جميع من بقي كانوا من نسله وعند هذا قال هذا القائل: إنه لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته ولم يحصل النسل إلا من ذريته ، فالخلق كلهم من نسله وذريته ، وقال آخرون: لم يكن في سفينة نوح عليه السلام إلا من كان من نسله وذريته ، وعلى التقديرين فالخلق كلهم إنما تولدوا منه ومن أولاده ، والدليل عليه قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين } [ الصافات: 77 ] فثبت أن نوحًا عليه السلام كان آدم الأصغر ، فهذا هو المراد من البركات التي وعده الله بها .

والقول الثاني: أنه تعالى لما وعده بالسلامة من الآفات ، وعده بأن موجبات السلامة ، والراحة والفراغة يكون في التزايد والثبات والاستقرار ، ثم إنه تعالى لما شرفه بالسلامة والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال: { وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } واختلفوا في المراد منه على ثلاثة أقوال: منهم من حمله على أولئك الأقوام الذين نجوا معه وجعلهم أممًا وجماعات ، لأنه ما كان في ذلك الوقت في جميع الأرض أحد من البشر إلا هم ، فلهذا السبب جعلهم أممًا ، ومنهم من قال: بل المراد ممن معك نسلًا وتولدًا قالوا: ودليل ذلك أنه ما كان معه إلا الذين آمنوا وقد حكم الله تعالى عليهم بالقلة في قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت