فيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع { يَحْزُنكَ } بضم الياء وكسر الزاي ، وكذلك في جميع ما في القرآن إلا قوله: { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر } [ الأنبياء: 103 ] في سورة الأنبياء ، فانه فتح الياء وضم الزاي ، والباقون كلهم بفتح الياء وضم الزاي . قال الأزهري: اللغة الجيدة: حزنه يحزنه على ما قرأ به أكثر القراء ، وحجة نافع أنهما لغتان يقال: حزن يحزن كنصر ينصر ، وأحزن يحزن كأكرم يكرم لغتان .
المسألة الثانية: اختلفوا في سبب نزول الآية على وجوه: الأول: أنها نزلت في كفار قريش ، والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم ، والمعنى: لا يحزنك من يسارع في الكفر بأن يقصد جمع العساكر لمحاربتك ، فانهم بهذا الصنيع إنما يضرون أنفسهم ولا يضرون الله ، ولا بد من حمل ذلك على أنهم لن يضروا النبي وأصحابه من المؤمنين شيئا ، واذا حمل على ذلك فلا بد من حمله على ضرر مخصوص ، لأن من المشهور أنهم بعد ذلك ألحقوا أنواعا من الضرر بالنبي E ، والأولى أن يكون ذلك محمولا على أن مقصودهم من جمع العساكر إبطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة ، وهذا المقصود لا يحصل لهم ، بل يضمحل أمرهم وتزول شوكتهم ، ويعظم أمرك ويعلو شأنك . الثاني: أنها نزلت في المنافقين ، ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوفون المؤمنين بسبب وقعة أحد ويؤيسونهم من النصرة والظفر ، أو بسبب أنهم كانوا يقولون إن محمدًا طالب ملك ، فتارة يكون الأمر له ، وتارة عليه ، ولو كان رسولا من عند الله ما غلب ، وهذا كان ينفر المسلمين عن الاسلام ، فكان الرسول يحزن بسببه . قال بعضهم: إن قوما من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفا من قريش فوقع الغم في قلب الرسول A بذلك السبب ، فانه عليه السلام ظن أنهم بسبب تلك الردة يلحقون به مضرة . فبين الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك قال القاضي: ويمكن أن يقوي هذا الوجه بأمور: الأول: أن المستمر على الكفر لا يوصف بانه يسارع في الكفر ، وإنما يوصف بذلك من يكفر بعد الايمان . الثاني: أن إرادته تعالى أن لا يجعل لهم حظًا في الآخرة لا يليق إلا بمن قد آمن ، فاستوجب ذلك ، ثم أحبط . الثالث: أن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود ، فلما قدر النبي A الانتفاع بايمانهم ، ثم كفروا حزن A عند ذلك لفوات التكثير بهم ، فآمنه الله من ذلك وعرفه أن وجود إيمانهم كعدمه في أن أحواله لا تتغير .
القول الرابع: أن المراد رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف وأصحابه الذين كتموا صفة محمد A لمتاع الدنيا . قال القفال C: ولا يبعد حمل الآية على جميع أصناف الكفار بدليل قوله تعالى: