اعلم أن هذا نوع آخر من الأعمال القبيحة للمشركين ، وهو أنك إذا ذكرت الله وحده تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ظهرت آثار النفرة من وجوههم وقلوبهم ، وإذا ذكرت الأصنام والأوثان ظهرت آثار الفرح والبشارة في قلوبهم وصدورهم ، وذلك يدل على الجهل والحماقة ، لأن ذكر الله رأس السعادات وعنوان الخيرات ، وأما ذكر الأصنام التي هي الجمادات الخسيسة ، فهو رأس الجهالات والحماقات ، فنفرتهم عن ذكر الله وحده واستبشارهم بذكر هذه الأصنام من أقوى الدلائل على الجهل الغليظ والحمق الشديد ، قال صاحب «الكشاف» وقد يقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما غاية في بابه لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سرورًا حتى يظهر أثر ذلك السرور في بشرة وجهه ويتهلل ، والاشمئزاز أن يعظم غمه وغيظه فينقبض الروح إلى داخل القلب فيبقى في أديم الوجه أثر الغبرة والظلمة الأرضية ، ولما حكى عنهم هذا الأمر العجيب الذي تشهد فطرة العقل بفساده أردفه بأمرين أحدهما: أنه ذكر الدعاء العظيم ، فوصفه أولا بالقدرة التامة وهي قوله: { قُلِ اللهم فَاطِرَ السموات والأرض } وثانيًا بالعلم الكامل وهو قوله تعالى { عالم الغيب والشهادة } ، وإنما قدم فذكر القدرة على ذكر العلم لأن العلم بكونه تعالى قادرًا متقدم على العلم بكونه عالمًا ، ولما ذكر هذا الدعاء قال: { أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم عند سماع الشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل ، ومع ذلك ، القوم قد أصروا عليه ، فلا يقدر أحد على إزالتهم عن هذا الاعتقاد الفاسد والمذهب الباطل إلا أنت . عن أبي سلمة قال: سألت عائشة بم كان يفتتح رسول الله A صلاته بالليل؟ قالت"كان يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك وانك لتهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم ذلك المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء أولها: أن هؤلاء الكفار لو ملكوا كل ما في الأرض من الأموال وملكوا مثله معه لجعلوا الكل فدية لأنفسهم من ذلك العذاب الشديد وثانيها: قوله تعالى: { وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } أي ظهرت لهم أنواع من العقاب لم تكن في حسابهم ، وكما أنه A قال في صفة الثواب في الجنة"فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"فكذلك في العقاب حصل مثله وهو قوله: { وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } و ثالثها: قوله تعالى: { وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } ومعناه ظهرت لهم آثار تلك السيئات التي اكتسبوها أي ظهرت لهم أنواع من العقاب آثار تلك السيئات التي اكتسبوها . ثم قال: { وَحَاقَ بِهِم } من كل الجوانب جزاء ما كانوا يستهزئون به ، فنبه تعالى بهذه الوجوه على عظم عقابهم .