فهرس الكتاب

الصفحة 7814 من 8321

فيه مسألتان:

المسألة الأولى: اعلم أن هذه الكلمات الخمس ، يحتمل أن تكون صفات لشيء واحد ، ويحتمل أن لا تكون كذلك ، أما على الاحتمال الأول فقد ذكروا في الآية وجوهًا أحدها: أنها بأسرها صفات الملائكة ، فقوله: { والنازعات غَرْقًا } هي الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم فإذا نزعوا نفس الكفار نزعوها بشدة ، وهو مأخوذ من قولهم نزع في القوس فأغرق يقال: أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدى حتى ينتهي إلى النصل ، فتقدير الآية: والنازعات إغراقًا ، والغرق والإغراق في اللغة بمعنى واحد ، وقوله: { والناشطات نَشْطًا } النشط هو الجذب يقال: نشطت الدلو أنشطها وأنشطتها نشطًا نزعتها برفق ، والمراد هي الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها ، وإنما خصصنا هذا بالمؤمن والأول بالكافر لما بين النزع والنشط من الفرق فالنزاع جذب بشدة ، والنشط جذب برفق ولين فالملائكة ، تنشط أرواح المؤمنين كما تنشط الدلو من البئر فالحاصل أن قوله: { والنازعات غَرْقًا * والناشطات نَشْطًا } قسم بملك الموت وأعوانه إلا أن الأول إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار ، والثاني إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين ، أما قوله: { والسابحات سَبْحًا } فمنهم من خصصه أيضًا بملائكة قبض الأرواح ، ومنهم من حمله على سائل طوائف الملائكة ، أما الوجه الأول: فنقل عن علي عليه السلام ، وابن عباس ومسروق ، أن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلًا رفيقًا ، فهذا هو المراد من قوله: { والناشطات نَشْطًا } ثم يتركونها حتى تستريح رويدًا ، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق ولطافة لئلا يفرق ، فكذا ههنا يرفقون في ذلك الاستخراج ، لئلا يصل إليه ألم وشدة فذاك هو المراد من قوله: { والسابحات سَبْحًا } وأما الذين حملوه على سائر طوائف الملائكة فقالوا: إن الملائكة ينزلون من السماء مسرعين ، فجعل نزولهم من السماء كالسباحة ، والعرب تقول للفرس الجواد ، إنه السابح ، وأما قوله: { فالسابقات سَبْقًا } فمنهم من فسره بملائكة قبض الأرواح يسبقون بأرواح الكفار إلى النار ، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة ، ومنهم من فسره بسائر طوائف الملائكة ، ثم ذكروا في هذا السبق وجوهًا أحدها: قال مجاهد وأبو روق إن الملائكة سبقت ابن آدم بالإيمان والطاعة ، ولا شك أن المسابقة في الخيرات درجة عظيمة قال تعالى: { والسابقون السابقون * أُوْلَئِكَ المقربون } [ الواقعة: 10 ، 11 ] وثانيها: قال الفراء والزجاج: إن الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء لأن الشياطين كانت تسترق السمع وثالثها: ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى وصفهم فقال: { لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول } [ الأنبياء: 27 ] يعني قبل الإذن لا يتحركون ولا ينطقون تعظيمًا لجلال الله تعالى وخوفًا من هيبته ، وههنا وصفهم بالسبق يعني إذا جاءهم الأمر ، فإنهم يتسارعون إلى امتثاله ويتبادرون إلى إظهار طاعته ، فهذا هو المراد من قوله: { فالسابقات سَبْقًا } ، وأما قوله: { فالمدبرات أَمْرًا } فأجمعوا على أنهم هم الملائكة: قال مقاتل يعني جبريل وميكائيل ، وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام يدبرون أمر الله تعالى في أهل الأرض ، وهم المقسمات أمرًا ، أما جبريل فوكل بالرياح والجنود ، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات ، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس ، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم ، وقوم منهم موكلون بحفظ بني آدم ، وقوم آخرون بكتابة أعمالهم وقوم آخرون بالخسف والمسخ والرياح والسحاب والأمطار ، بقي على الآية سؤالان:

السؤال الأول: لم قال: { فالمدبرات أَمْرًا } ، ولم يقل: أمورًا فإنهم يدبرون أمورًا كثيرة لا أمرًا واحدًا؟ والجواب: أن المراد به الجنس ، وإذا كان كذلك قام مقام الجمع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت