اعلم أنه سبحانه تكلم أولًا في التوحيد ، وثانيًا في الرد على عبدة الأوثان ، وثالثًا في هذه الآية تكلم في مسألة النبوة ، وحكى سبحانه شبههم في إنكار نبوة محمد A الشبهة الأولى: قولهم: { إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه } وأعانه عليه قوم آخرون ، ونظيره قوله تعالى: { إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } [ النحل: 103 ] واعلم أنه يحتمل أن يريدوا به أنه كذب في نفسه ، ويحتمل أن يريدوا به أنه كذب في إضافته إلى الله تعالى ، ثم ههنا بحثان:
الأول: قال أبو مسلم: الافتراء افتعال من فريت ، وقد يقال في تقدير الأديم فريت الأديم ، فإذا أريد قطع الإفساد قيل أفريت وافتريت وخلقت واختلقت ، ويقال فيمن شتم امرءًا بما ليس فيه افترى عليه .
البحث الثاني: قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث فهو الذي قال هذا القول { وأعانه عليه قوم آخرون } يعني عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار ( غلام عامر ) بن الحضرمي ، وجبر مولى عامر ، وهؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب ، وكانوا يقرأون التوراة ويحدثون أحاديث منها فلما أسلموا وكان النبي A يتعهدهم ، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال . واعلم أن الله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: { فَقَدْ جَاءوا ظُلْمًا وَزُورًا } وفيه أبحاث:
الأول: أن هذا القدر إنما يكفي جوابًا عن الشبهة المذكورة ، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن وهم النهاية في الفصاحة ، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية ، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات ، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا ، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه في هذه الآية وغيرها ، ولو استعان محمد عليه السلام في ذلك بغيره لأمكنهم أيضًا أن يستعينوا بغيرهم ، لأن محمدًا A كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة ، فلما لم يفعلوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة وانتهى إلى حد الإعجاز ، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال ، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة لا يكون إلا للتمادي في الجهل والعناد ، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله: { فَقَدْ جَاءوا ظُلْمًا وَزُورًا } .
البحث الثاني: قال الكسائي: قوله تعالى: { فَقَدْ جَاءوا ظُلْمًا وَزُورًا } أي أتوا ظلمًا وكذبًا وهو كقوله: { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا } [ مريم: 89 ] فانتصب بوقوع المجيء عليه ، وقال الزجاج: انتصب بنزع الخافض ، أي جاءوا بالظلم والزور .
البحث الثالث: أن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور ، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه ، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه وذلك هو الظلم ، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه ، وقال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والرد عليه ، والزور كذبهم عليهم .