فهرس الكتاب

الصفحة 7111 من 8321

لما ذكر الجزاء ذكر بعده مثله وهو جنتان أخريان ، وهذا كقوله تعالى: { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } [ يونس: 26 ] وفي قوله تعالى: { دُونِهِمَا } وجهان أحدهما: دونهما في الشرف ، وهو ما اختاره صاحب «الكشاف» وقال قوله: { مُدْهَامَّتَانِ } مع قوله في الأوليين: { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } [ الرحمن: 48 ] وقوله في هذه: { عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } مع قوله في الأوليين: { عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } [ الرحمن: 50 ] لأن النضخ دون الجري ، وقوله في الأولين: { مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ } [ الرحمن: 52 ] مع قوله في هاتين: { فاكهة وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } [ الرحمن: 68 ] وقوله في الأوليين: { فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } حيث ترك ذكر الظهائر لعلوها ورفعتها وعدم إدراك العقول إياها مع قوله في هاتين: { رَفْرَفٍ خُضْرٍ } [ الرحمن: 76 ] دليل عليه ، ولقائل أن يقول: هذا ضعيف لأن عطايا الله في الآخرة متتابعة لا يعطي شيئًا بعد شيء إلا ويظن الظان أنه ذلك أو خير منه . ويمكن أن يجاب عنه تقريرًا لما اختاره الزمخشري أن الجنتين اللتين دون الأولين لذريتهم اللذين ألحقهم الله بهم ولأتباعهم ، ولكنه إنما جعلهما لهم إنعامًا عليهم ، أي هاتان الأخريان لكم أسكنوا فيهما من تريدون الثاني: أن المراد دونهما في المكان كأنهم في جنتين ويطلعوا من فوق على جنتين أخريين دونهما ، ويدل عليه قوله تعالى { لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ } [ الزمر: 20 ] الآية . والغرف العالية عندها أفنان ، والغرف التي دونها أرضها مخضرة ، وعلى هذا ففي الآيات لطائف:

الأولى: قال في الأوليين: { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } وقال في هاتين: { مُدْهَامَّتَانِ } أي مخضرتان في غاية الخضرة ، وإدهام الشيء أي اسواد لكن لا يستعمل في بعض الأشياء والأرض إذا اخضرت غاية الخضرة تضرب إلى أسود ، ويحتمل أن يقال: الأرض الخالية عن الزرع يقال لها: بياض أرض وإذا كانت معمورة يقال لها: سواد أرض كما يقال: سواد البلد ، وقال النبي A:"عليكم بالسواد الأعظم ومن كثر سواد قوم فهو منهم"والتحقيق فيه أن ابتداء الألوان هو البياض وانتهاءها هو السواد ، فإن الأبيض يقبل كل لون والأسود لا يقبل شيئًا من الألوان ، ولهذا يطلق الكافر على الأسود ولا يطلق على لون آخر ، ولما كانت الخالية عن الزرع متصفة بالبياض واللاخالية بالسواد فهذا يدل على أنهما تحت الأوليين مكانًا ، فهم إذا نظروا إلى ما فوقهم ، يرون الأفنان تظلهم ، وإذا نظروا إلى ما تحتهم يرون الأرض مخضرة ، وقوله تعالى: { فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } أي فائرتان ماؤهما متحرك إلى جهة فوق ، وأما العينان المتقدمتان فتجريان إلى صوب المؤمنين فكلاهما حركتهما إلى جهة مكان أهل الإيمان ، وأما قول صاحب «الكشاف» : النضخ دون الجري فغير لازم لجواز أن يكون الجري يسيرًا والنضخ قويًا كثيرًا ، بل المراد أن النضخ فيه الحركة إلى جهة العلو ، والعينان في مكان المؤمنين ، فحركة الماء تكون إلى جهتهم ، فالعينان الأوليان في مكانهم فتكون حركة مائهما إلى صوب المؤمنين جريًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت