فهرس الكتاب

الصفحة 6236 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين نفي المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم ، أتبعه بأن أمر رسوله بأن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام:

النوع الأول: قوله: { قُلْ يا عِبَادِى الذين ءامَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ } والمراد أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يضموا إلى الإيمان التقوى ، وهذا من أول الدلائل على أن الإيمان يبقى مع المعصية ، قال القاضي: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم ، لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم الثواب وبالإقدام عليها يحبط ، فيقال له هذا بأن يدل على ضد قولك أولى ، لأنه لما أمر المؤمنين بالتقوى دل ذلك على أنه يبقى مؤمنًا مع عدم التقوى ، وذلك يدل على أن الفسق لا يزيل الإيمان .

واعلم أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالاتقاء بين لهم ما في هذا الاتقاء من الفوائد ، فقال تعالى: { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ } فقوله: { فِى هذه الدنيا } يحتمل أن يكون صلة لقوله: { أَحْسَنُواْ } أو لحسنة ، فعلى التقدير الأول معناه للذين أحسنوا في هذه الدنيا كلهم حسنة في الآخرة ، وهي دخول الجنة ، والتنكير في قوله: { حَسَنَةٌ } للتعظيم يعني حسنة لا يصل العقل إلى كنه كمالها . وأما على التقدير الثاني: فمعناه الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة ، والقائلون بهذا القول قالوا هذه الحسنة هي الصحة والعافية ، وأقول الأولى أن تحمل على الثلاثة المذكورة في قوله A: « ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية » ومن الناس من قال القول الأول أولى ويدل عليه وجوه الأول: أن التنكير في قوله: { حَسَنَةٌ } يدل على النهاية والجلالة والرفعة ، وذلك لا يليق بأحوال الدنيا ، فإنها خسيسة ومنقطعة ، وإنما يليق بأحوال الآخرة ، فإنها شريفة وآمنة من الانقضاء والانقراض والثاني: أن ثواب المحسن بالتوحيد والأعمال الصالحة إنما يحصل في الآخرة قال تعالى: { اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } وأيضًا فنعمة الدنيا من الصحة والأمن والكفاية حاصلة للكفار ، وأيضًا فحصولها للكافر أكثر وأتم من حصولها للمؤمن ، كما قال A: « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » وقال تعالى: { لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } [ الزخرف: 33 ] ، الثالث: أن قوله: { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ } يفيد الحصر ، بمعنى أنه يفيد أن حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين أحسنوا ، وهذا باطل . أما لو حملنا هذه الحسنة على حسنة الآخرة صح هذا الحصر ، فكأن حمله على حسنة الآخرة أولى ، ثم قال الله تعالى: { وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ } وفيه قولان الأول: المراد أنه لا عذر ألبتة للمقصرين في الإحسان ، حتى إنهم إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم ، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفرة على الإحسان وصرف الهمم إليه ، قل لهم فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة ، فتحولوا من هذه البلاد إلى بلاد تقدرون فيها على الاشتغال بالطاعات والعبادات ، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ، ليزدادوا إحسانًا إلى إحسانهم ، وطاعة إلى طاعتهم ، والمقصود منه الترغيب في الهجرة من مكة إلى المدينة والصبر على مفارقة الوطن ، ونظيره قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت