قرأ حمزة: ( وإنا اخترناك ) وقرأ أبي بن كعب: ( وإني اخترتك ) وههنا مسائل:
المسألة الأولى: معناه اخترتك للرسالة وللكلام الذي خصصتك به ، وهذه الآية تدل على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق لأن قوله: { وَأَنَا اخترتك } يدل على أن ذلك المنصب العلي إنما حصل لأن الله تعالى اختاره له ابتداء لا أنه استحقه على الله تعالى .
المسألة الثانية: قوله: { فاستمع لِمَا يُوحَى } فيه نهاية الهيبة والجلالة فكأنه قال: لقد جاءك أمر عظيم هائل فتأهب له واجعل كل عقلك وخاطرك مصروفًا إليه فقوله: { وَأَنَا اخترتك } يفيد نهاية اللطف والرحمة وقوله: { فاستمع } يفيد نهاية الهيبة فيحصل له من الأول نهاية الرجاء ومن الثاني نهاية الخوف .
المسألة الثالثة: قوله: { إِنَّنِى أَنَا الله لآ إله إلآ أَنَاْ فاعبدنى } يدل على أن علم الأصول مقدم على علم الفروع لأن التوحيد في علم الأصول والعبادة من علم الفروع وأيضًا الفاء في قوله: { فاعبدنى } تدل على أن عبادته إنما لزمت لإلهيته وهذا هو تحقيق العلماء أن الله هو المستحق للعبادة .
المسألة الرابعة: أنه سبحانه بعد أن أمره بالتوحيد ، أولًا ثم بالعبادة ثانيًا ، أمره بالصلاة ثالثًا احتج أصحابنا بهذه الآية على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز من وجهين: الأول: أنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفية تلك العبادة فثبت أنه يجوز ورود المجمل منفكًا عن البيان . الثاني: أنه قال: { وأقم الصلاة لذكري } ولم يبين كيفية الصلاة قال: القاضي لا يمتنع أن موسى عليه السلام قد عرف الصلاة التي تعبد الله تعالى بها شعيبًا عليه السلام وغيره من الأنبياء فصار الخطاب متوجهًا إلى ذلك ويحتمل أنه تعالى بين له في الحال وأن كان المنقول في القرآن لم يذكر فيه إلا هذا القدر . والجواب: أما العذر الأول فإنه لا يتوجه في قوله تعالى: { فاعبدنى } وأيضًا فحمل مثل هذا الخطاب العظيم على فائدة جديدة أولى من حمله على أمر معلوم لأن موسى عليه السلام ما كان يشك في وجوب الصلاة التي جاء بها شعيب عليه السلام فلو حملنا قوله: { وأقم الصلاة } على ذلك لم يحصل من هذا الخطاب العظيم فائدة زائدة ، أما لو حملناه على صلاة أخرى لحصلت الفائدة الزائدة ، قوله: لعل الله تعالى بينه في ذلك الموضع وإن لم يحكه في القرآن قلنا لا نشك أن البيان أكثر فائدة من المجمل فلو كان مذكورًا لكان أولى بالحكاية .
المسألة الخامسة: في قوله: { لِذِكْرِي } وجوه: أحدها: لذكري يعني لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلي لي . وثانيها: لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار عن مجاهد . وثالثها: لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها . ورابعها: لأن أذكرك بالمدح والثناء واجعل لك لسان صدق . وخامسها: لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري . وسادسها: لإخلاص ذكري وطلب وجهي لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضًا آخر . وسابعها: لتكون لي ذاكرًا غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم كما قال تعالى: