فهرس الكتاب

الصفحة 1983 من 8321

اعلم أنه تعالى حكى عن الذين ذهبوا إلى المدينة لتثبيط أصحاب النبي A أنهم إنما ثبطوهم لأنهم خوفوهم بأن يقتلوا كما قتل المسلمون يوم أحد ، والله تعالى بين أن أقوال هؤلاء الشياطين لا يقبلها المؤمن ولا يلتفت اليها ، وإنما الواجب على المؤمن أن يعتمد على فضل الله ، ثم بين في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين ليس خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا بأحد ، لأن هذا البقاء صار وسيلة الى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم في القيامة ، وقتل أولئك الذين قتلوا يوم أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل . فهذا بيان وجه النظم ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ } { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ } [ آل عمران: 180 ] { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ } { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } [ آل عمران: 188 ] في الأربعة بالتاء وضم الباء في قوله: { تَحْسَبَنَّهُمْ } وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله: { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } فانه بالتاء ، وقرأ حمزة كلها بالتاء ، واختلاف القراء في فتح السين وكسرها قدمناه في سورة البقرة ، أما الذين قرأوا بالياء المنقطة من تحت: فقوله: { يَحْسَبَنَّ } فعل ، وقوله: { الذين كَفَرُواْ } فاعل يقتضي مفعولين أو مفعولا يسد مسد مفعولين نحو حسبت ، وقوله: حسبت أن زيدا منطلق ، وحسبت أن يقوم عمرو ، فقوله في الآية: { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ } يسد مسد المفعولين ، ونظيره قوله تعالى: { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ } [ الفرقان: 44 ] وأما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فأحسن ما قيل فيه ما ذكره الزجاج ، وهو أن { الذين كَفَرُواْ } نصب بأنه المفعول الاول ، و { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ } بدل عنه . و { خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } هو المفعول الثاني والتقدير: ولا تحسبن يا محمد إملاء الذين كفروا خيرا لهم . ومثله مما جعل «أن» مع الفعل بدلا من المفعول قوله تعالى: { وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ } [ الأنفال: 7 ] فقوله: { أَنَّهَا لَكُمْ } بدل من إحدى الطائفتين .

المسألة الثانية: «ما» في قوله: { أَنَّمَا } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى الذي فيكون التقدير: لا تحسبن الذين كفروا أن الذين نمليه خير لأنفسهم ، وحذف الهاء من «نملي» لأنه يجوز حذف الهاء من صلة الذي كقولك: الذي رأيت زيد ، والآخر: أن يقال: «ما» مع ما بعدها في تقدير المصدر ، والتقدير: لا تحسبن الذين كفروا أن إملائي لهم خير .

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» : «ما» مصدرية وإذا كان كذلك فكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في مصحف عثمان متصلة ، واتباع خط المصاحف لذلك المصحف واجب ، وأما في قوله: { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ } فههنا يجب أن تكون متصلة لانها كافة بخلاف الأولى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت