فيه مسألتان:
المسألة الأولى: أجمعوا على أن المراد بالمزمل النبي عليه السلام ، وأصله المتزمل بالتاء وهو الذي تزمل بثيابه أي تلفف بها ، فأدغم التاء في الزاي ، ونحوه المدثر في المتدثر ، واختلفوا لم تزمل بثوبه؟ على وجوه أحدها: قال ابن عباس: أول ما جاءه جبريل عليه السلام خافه وظن أن به مسًا من الجن ، فرجع من الجبل مرتعدًا وقال: زملوني ، فبينا هو كذلك إذ جاء جبريل وناداه وقال: يا أيها المزمل وثانيها: قال الكلبي: إنما تزمل النبي عليه السلام بثيابه للتهيء للصلاة وهو اختيار الفراء وثالثها: أنه عليه السلام كان نائمًا بالليل متزملًا في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة ، وقيل: يا أيها النائم المتزمل بثوبه قم واشتغل بالعبودية ورابعها: أنه كان متزملًا في مرط لخديجة مستأنسًا بها فقيل له: { يأَيُّهَا المزمل * قُمِ اليل } كأنه قيل: اترك نصيب النفس واشتغل بالعبودية وخامسها: قال عكرمة: يا أيها الذي زمل أمرًا عظيمًا أي حمله والزمل الحمل ، وازدمله احتمله .
المسألة الثانية: قرأ عكرمة { المزمل } و { المدثر } [ المدثر: 1 ] بتخفيف الزاي والدال وتشديد الميم والثاء على أنه اسم فاعل أو مفعول ، فإن كان على اسم الفاعل كان المفعول محذوفًا والتقدير يا أيها المزمل نفسه والمدثر نفسه وحذف المفعول في مثل هذا المقام فصيح قال تعالى: { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } [ النمل: 23 ] أي أوتيت من كل شيء شيئًا ، وإن كان على أنه اسم المفعول كان ذلك لأنه زمل نفسه أو زمله غيره ، وقرىء ( يا أيها المتزمل ) على الأصل .