فهرس الكتاب

الصفحة 4573 من 8321

اعلم أن قوله: { قُل لّعِبَادِيَ } فيه قولان:

القول الأول: أن المراد به المؤمنون ، وذلك لأن لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى: { فَبَشّرْ عِبَادِ * الذين يَسْتَمِعُونَ القول } [ الزمر: 17 ، 18 ] وقال: { فادخلى فِى عِبَادِى } [ الفجر: 29 ] وقال: { عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله } [ الإنسان: 6 ] .

إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما ذكر الحجة اليقينية في إبطال الشرك وهو قوله: { لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِى العرش سَبِيلًا } [ الإسراء: 42 ] وذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو قوله: { قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الإسراء: 51 ] قال في هذه الآية وقل يا محمد لعبادي إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا تلك الدلائل بالطريق الأحسن . وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطًا بالشتم والسب ، ونظير هذه الآية قوله: { ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة } [ النحل: 125 ] وقوله: { وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِىَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت: 46 ] وذلك لأن ذكر الحجة لو اختلط به شيء من السب والشتم لقابلوكم بمثله كما قال: { وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ الأنعام: 108 ] ويزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود ، أما إذا وقع الاقتصار على ذكر الحجة بالطريق الأحسن الخالي عن الشتم والإيذاء أثر في القلب تأثيرًا شديدًا فهذا هو المراد من قوله: { وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ التى هِىَ أَحْسَنُ } ثم إنه تعالى نبه على وجه المنفعة في هذا الطريق فقال: { إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ } جامعًا للفريقين أي متى صارت الحجة مرة ممزوجة بالبذاءة صارت سببًا لثوران الفتنة .

ثم قال: { إِنَّ الشيطان كَانَ للإنسان عَدُوّا مُّبِينًا } والمعنى: أن العداوة الحاصلة بين الشيطان وبين الإنسان عداوة قديمة قال تعالى حكاية عنه: { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } [ الأعراف: 17 ] وقال: { كَمَثَلِ الشيطان إِذ قَالَ للإنسان اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيء منكَ إِنّي أَخَافُ الله رَبَّ العالمين } [ الحشر: 16 ] وقال: { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم } [ الأنفال: 48 ] وقال: { لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } إلى قوله: { إِنّي بَرِيء مّنْكُمْ } [ الأنفال: 48 ] .

ثم قال تعالى: { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ } واعلم أنا إنما نتكلم الآن على تقدير أن قوله تعالى: { قُل لّعِبَادِيَ } المراد به المؤمنون ، وعلى هذا التقدير فقوله: { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ } خطاب مع المؤمنين ، والمعنى: إن يشأ يرحمكم ، والمراد بتلك الرحمة الإنجاء من كفار مكة وأذاهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم . ثم قال: { وَمَا أرسلناك } يا محمد { عَلَيْهِمْ وَكِيلًا } أي حافظًا وكفيلًا فاشتغل أنت بالدعوة ولا شيء عليك من كفرهم فإن شاء الله هدايتهم هداهم ، وإلا فلا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت