ثم قال تعالى: { ياحسرة عَلَى العباد } أي هذا وقت الحسرة فاحضري يا حسرة والتنكير للتكثير ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الألف واللام في العباد يحتمل وجهين أحدهما: للمعهود وهم الذين أخذتهم الصيحة فيا حسرة على أولئك وثانيهما: لتعريف الجنس جنس الكفار المكذبين .
المسألة الثانية: من المتحسر؟ نقول فيه وجوه الأول: لا متحسر أصلًا في الحقيقة إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عند تحقق العذاب .
وههنا بحث لغوي: وهو أن المفعول قد يرفض رأسًا إذا كان الغرض غير متعلق به يقال إن فلانًا يعطي ويمنع ولا يكون هناك شيء معطي إذ المقصود أن له المنع والإعطاء ، ورفض المفعول كثير وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل ، والوجه فيه ما ذكرنا ، أن ذكر المتحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في ذلك الوقت الثاني: أن قائل يا حسرة هو الله على الاستعارة تعظيمًا للأمر وتهويلًا له وحينئذٍ يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله كالضحك والنسيان والسخر والتعجب والتمني ، أو نقول ليس معنى قولنا يا حسرة ويا ندامة ، أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أنه مخبر عن وقوع الندامة ، ولا يحتاج إلى تجوز في بيان كونه تعالى قال: { يا حَسْرَةً } بل يخبر به على حقيقته إلا في النداء ، فإن النداء مجاز والمراد الإخبار الثالث: المتلهفون من المسلمين والملائكة ألا ترى إلى ما حكي عن حبيب أنه حين القتل كان يقول: اللهم اهد قومي وبعد ما قتلوه وأدخل الجنة قال: يا ليت قومي يعلمون ، فيجوز أن يتحسر المسلم للكافر ويتندم له وعليه .
المسألة الثالثة: قرىء { يا حَسْرَةً } بالتنوين ، و ( يا حسرة العباد ) بالإضافة من غير كلمة على ، وقرىء يا حسرة علي بالهاء إجراء للوصل مجرى الوقف .
المسألة الرابعة: من المراد بالعباد؟ نقول فيه وجوه أحدها: الرسل الثلاثة كأن الكافرين يقولون عند ظهور البأس يا حسرة عليهم يا ليتهم كانوا حاضرين شأننا لنؤمن بهم وثانيها: هم قوم حبيب وثالثها: كل من كفر وأصر واستكبر وعلى الأول فإطلاق العباد على المؤمنين كما في قوله: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } [ الحجر: 42 ] وقوله: { قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ } [ الزمر: 53 ] وعلى الثاني فإطلاق العباد على الكفار ، وفرق بين العبد مطلقًا وبين المضاف إلى الله تعالى فإن الإضافة إلى الشريف تكسو المضاف شرفًا تقول بيت الله فيكون فيه من الشرف ما لا يكون في قولك البيت ، وعلى هذا فقوله تعالى: { وَعِبَادُ الرحمن } [ الفرقان: 63 ] من قبيل قوله: { إِنَّ عِبَادِي } [ الحجر: 42 ] وكذلك { عِبَادَ الله } [ الصافات: 74 ] .
ثم بين الله تعالى سبب الحسرة بقوله تعالى: { مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } وهذا سبب الندامة وذلك لأن من جاءه ملك من بادية ، وأعرفه نفسه ، وطلب منه أمرًا هينًا فكذبه ولم يجبه إلا ما دعاه ، ثم وقف بين يديه وهو على سرير ملكه فعرفه أنه ذلك ، يكون عنده من الندامة ما لا مزيد عليه ، فكذلك الرسل هم ملوك وأعظم منهم بإعزاز الله إياهم وجعلهم نوابه كما قال: