في الآية مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } في تفسير هذا الأمر قولان:
القول الأول: أن المراد منه الأمر بالفعل ، ثم إن لفظ الآية لا يدل على أنه تعالى بماذا يأمرهم فقال الأكثرون: معناه أنه تعالى يأمرهم بالطاعات والخيرات ، ثم إنهم يخالفون ذلك الأمر ويفسقون وقال صاحب «الكشاف» : ظاهر اللفظ يدل على أنه تعالى يأمرهم بالفسق فيفسقون ، إلا أن هذا مجاز ومعناه أنه فتح عليهم أبواب الخيرات والراحات فعند ذلك تمردوا وطغوا وبغوا قال والدليل على أن ظاهر اللفظ يقتضي ما ذكرناه ، أن المأمور به إنما حذف لأن قوله؛ { فَفَسَقُواْ } يدل عليه يقال: أمرته فقام ، وأمرته فقرأ لا يفهم منه ، إلا أن المأمور به قيام أو قراءة فكذا ههنا لما قال: { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا } وجب أن يكون المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا لا يقال يشكل هذا بقولهم أمرته فعصاني أو فخالفني فإن هذا لا يفهم منه أني أمرته بالمعصية والمخالفة؛ لأنا نقول: إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له ، فكذلك أمرته ففسق يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به فكونه فسقًا ينافي كونه مأمورًا به ، كما أن كونها معصية ينافي كونها مأمورًا بها ، فوجب أن يدل هذا اللفظ على أن المأمور به ليس بفسق ، وهذا الكلام في غاية الظهور فلا أدري لم أصر صاحب «الكشاف» على قوله مع ظهور فساده ، فثبت أن الحق ما ذكره الكل وهو أن المعنى أمرناهم بالأعمال الصالحة وهي الإيمان والطاعة والقوم خالفوا ذلك الأمر عنادًا وأقدموا على الفسق .
القول الثاني: في تفسير قوله: { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } أي أكثرنا فساقها . قال الواحدي: العرب تقول أمر القوم إذا كثروا . وأمرهم الله إذ كثرهم ، وآمرهم أيضًا بالمد ، روى الجرمي عن أبي زيد أمر الله القوم وآمرهم ، أي كثرهم . واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله A:"خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة"والمعنى مهرة قد كثر نسلها يقولون: أمر الله المهرة أي كثر ولدها ومن الناس من أنكر أن يكون أمر بمعنى كثر وقالوا أمر القوم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد أي كثرهم ، وحملوا قوله E:"مهر مأمورة"على أن المراد كونها مأمورة بتكثير النسل على سبيل الاستعارة . وأما المترف: فمعناه في اللغة المتنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش { فَفَسَقُواْ فِيهَا } أي خرجوا عما أمرهم الله: { فَحَقَّ عَلَيْهَا القول } يريد: استوجبت العذاب ، وهذا كالتفسير لقوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا }