فهرس الكتاب

الصفحة 3535 من 8321

اعلم أنه تعالى لما توعد من لا ينفر مع الرسول ، وضرب له من الأمثال ما وصفنا ، أتبعه بهذا الأمر الجزم . فقال: { انفروا خِفَافًا وَثِقَالًا } والمراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد أو على الصفة التي يثقل ، وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة والمفسرون ذكروها . فالأول: { خِفَافًا } في النفور لنشاطكم له { وَثِقَالًا } عنه ولمشقته عليكم . الثاني: { خِفَافًا } لقلة عيالكم { وَثِقَالًا } لكثرتها . الثالث: { خِفَافًا } من السلاح { وَثِقَالًا } منه . الرابع: ركبانًا ومشاة . الخامس: شبانًا وشيوخًا . السادس: مهازيل وسمانا . السابع: صحاحًا ومراضًا والصحيح ما ذكرنا إذ الكل داخل فيه لأن الوصف المذكور وصف كلي ، يدخل فيه كل هذه الجزئيات .

فإن قيل: أتقولون إن هذا الأمر يتناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين؟

قلنا: ظاهره يقتضي ذلك عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله A: أعلي أن أنفر ، قال: « ما أنت إلا خفيف أو ثقيل » فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه ، فنزل قوله تعالى: { لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ } [ الفتح: 17 النور: 61 ] وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدرًا مع الرسول A ، ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ، ويقول: قال الله: { انفروا خِفَافًا وَثِقَالًا } فلا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلًا . وعن صفوان بن عمرو قال: كنت واليًا على حمص ، فلقيت شيخًا قد سقط حاجباه ، من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو ، قلت يا عم أنت معذور عند الله ، فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافًا وثقالًا ، ألا إن من أحبه ابتلاه . وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له إنك عليل صاحب ضرر ، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن عجزت عن الجهاد كثرت السواد وحفظت المتاع . وقيل للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو: أنت معذور ، فقال: أنزل الله علينا في سورة براءة { انفروا خِفَافًا وَثِقَالًا } .

واعلم أن القائلين بهذا القول الذي قررناه يقولون: هذه الآية صارت منسوخة بقوله تعالى: { لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ } [ الفتح: 17 النور: 61 ] وقال عطاء الخراساني: منسوخة بقوله: { وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً } [ التوبة: 122 ] .

ولقائل أن يقول: اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ، واتفقوا على أنه E خلف النساء وخلف من الرجال أقوامًا ، وذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ، لكنه من فروض الكفايات ، فمن أمره الرسول بأن يخرج ، لزمه ذلك خفافًا وثقالًا ، ومن أمره بأن يبقى هناك ، لزمه أن يبقى ويترك النفر . وعلى هذا التقدير: فلا حاجة إلى التزام النسخ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت