فهرس الكتاب

الصفحة 5009 من 8321

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين بالدلائل الباهرة كونه منزهًا عن الشريك والضد والند أردف ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد فقال: { وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَدًا } نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله وأضافوا إلى ذلك أنه تعالى صاهر الجن على ما حكى الله تعالى عنهم فقال: { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَبًا } [ الصافات: 158 ] ثم إنه سبحانه وتعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله سبحانه لأن الولد لا بد وأن يكون شبيهًا بالوالد فلو كان لله ولد لأشبهه من بعض الوجوه ، ثم لا بد وأن يخالفه من وجه آخر وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيقع التركيب في ذات الله سبحانه وتعالى وكل مركب ممكن ، فاتخاذه للولد يدل على كونه ممكنًا غير واجب . وذلك يخرجه عن حد الإلهية ويدخله في حد العبودية ، ولذلك نزه نفسه عنه .

أما قوله: { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } فاعلم أنه سبحانه لما نزه نفسه عن الولد أخبر عنهم بأنهم عباد والعبودية تنافي الولادة إلا أنهم مكرمون مفضلون على سائر العباد وقرىء: { مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ } من سابقته فسبقته أسبقه . والمعنى أنهم يتبعونه في قوله ولا يقولون شيئًا حتى يقوله فلا يسبق قولهم قوله ، وكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضًا كذلك مبني على أمره لا يعملون عملًا ما لم يؤمروا به .

ثم إنه سبحانه ذكر ما يجري مجرى السبب لهذه الطاعة فقال: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالمًا بجميع المعلومات علموا كونه عالمًا بظواهرهم هم وبواطنهم ، فكان ذلك داعيًا لهم إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية . وذكر المفسرون فيه وجوهًا . أحدها: قال ابن عباس: يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم . وثانيها: ما بين أيديهم الآخرة وما خلفهم الدنيا وقيل على عكس ذلك . وثالثها: قال مقاتل: يعلم ما كان قبل أن يخلقهم وما يكون بعد خلقهم . وحقيقة المعنى أنهم يتقلبون تحت قدرته في ملكوته وهو محيط بهم ، وإذا كانت هذه حالتهم فكيف يستحقون العبادة وكيف يتقدمون بين يدي الله تعالى فيشفعون لمن لم يأذن الله تعالى له . ثم كشف عن هذا المعنى فقال: { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى } أي لمن هو عند الله مرضي: { وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } أي من خشيتهم منه ، فأضيف المصدر إلى المفعول ومشفقون خائفون ولا يأمنون مكره وعن رسول الله A: « أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج ساقطًا كالحلس من خشية الله تعالى » ونظيره قوله تعالى: { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن } [ النبأ: 38 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت