فهرس الكتاب

الصفحة 3769 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه كما شرح حال المسلمين في الآية المتقدمة ، شرح حال من أقدم على السيئات في هذه الآية ، وذكر تعالى من أحوالهم أمورًا أربعة أولها: قوله: { جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } والمقصود من هذا القيد التنبيه على الفرق بين الحسنات وبين السيئات ، لأنه تعالى ذكر في أعمال البر أنه يوصل إلى المشتغلين بها الثواب مع الزيادة وأما في عمل السيئات ، فإنه تعالى ذكر أنه لا يجازي إلا بالمثل ، والفرق هو أن الزيادة على الثواب تكون تفضلًا وذلك حسن ، ويكون فيه تأكيد للترغيب في الطاعة ، وأما الزيادة على قدر الاستحقاق في عمل السيئات ، فهو ظلم ، ولو فعله لبطل الوعد والوعيد والترهيب والتحذير ، لأن الثقة بذلك إنما تحصل إذا ثبتت حكمته ، ولو فعل الظلم لبطلت حكمته . تعالى الله عن ذلك ، هكذا قرره القاضي تفريعًا على مذهبه . وثانيها: قوله: { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } وذلك كناية عن الهوان والتحقير ، واعلم أن الكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته ، فالإنسان الناقص إذا مات بقيت روحه ناقصة خالية عن الكمالات ، فيكون شعوره بكونه ناقصًا ، سببًا لحصول الذلة والمهانة والخزي والنكال . وثالثها: قوله: { مَّا لَهُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ } واعلم أنه لا عاصم من الله لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فإن قضاءه محيط بجميع الكائنات ، وقدره نافذ في كل المحدثات إلا أن الغالب على الطباع العاصية ، أنهم في الحياة العاجلة مشتغلون بأعمالهم ومراداتهم . أما بعد الموت فكل أحد يقر بأنه ليس له من الله من عاصم . ورابعها: قوله: { كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل مظلمًا } والمراد من هذا الكلام إثبات ما نفاه عن السعداء حيث قال: { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } [ يونس: 26 ] .

واعلم أن حكماء الإسلام قالوا: المراد من هذا السواد المذكور ههنا سواد الجهل وظلمة الضلالة ، فإن العلم طبعه طبع النور ، والجهل طبعه طبع الظلمة ، فقوله: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ } [ عبس: 39 ] المراد منه نور العلم ، وروحه وبشره وبشارته ، وقوله: { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } [ عبس: 40 ] المراد منه ظلمة الجهل وكدورة الضلالة .

المسألة الثانية: قوله: { والذين كَسَبُواْ السيئات } فيه وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفًا على قوله: { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } [ يونس: 26 ] كأنه قيل: للذين أحسنوا الحسنى وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها والثاني: أن يكون التقدير وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها . على معنى أن جزاءهم أن يجازي سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها ، وهذا يدل على أن حكم الله في حق المحسنين ليس إلا بالفضل ، وفي حق المسيئين ليس إلا بالعدل .

المسألة الثالثة: قال بعضهم: المراد بقوله: { والذين كَسَبُواْ السيئات } الكفار واحتجوا عليه بأن سواد الوجه من علامات الكفر ، بدليل قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت