والمعنى أن اقتحام العقبة هو الفك أو الإطعام ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الفك فرق يزيل المنع كفك القيد والغل ، وفك الرقبة فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاب الحرية وإبطال العبودية ، ومنه فك الرهن وهو إزالة غلق الرهن ، وكل شيء أطلقته فقد فككته ، ومنه فك الكتاب ، قال الفراء: في « المصادر » فكها يفكها فكاكًا بفتح الفاء في المصدر ولا تقل بكسرها ، ويقال: كانت عادة العرب في الأسارى شد رقابهم وأيديهم فجرى ذلك فيهم وإن لم يشدد ، ثم سمي إطلاق الأسير فكاكًا ، قال الأخطل:
أبنى كليب إن عمى اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلال
المسألة الثانية: فك الرقبة قد يكون بأن يعتق الرجل رقبة من الرق ، وقد يكون بأن يعطي مكاتبًا ما يصرفه إلى جهة فكاك نفسه ، روى البراء بن عازب ، قال: « جاء أعرابي إلى رسول الله A فقال: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ، قال: عتق النسمة وفك الرقبة قال: يا رسول الله أوليسا واحدًا؟ قال: لا ، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة ، أن تعين في ثمنها » وفيه وجه آخر وهو أن يكون المراد أن يفك المرء رقبة نفسه بما يتكلفه من العبادة التي يصير بها إلى الجنة فهي الحرية الكبرى ، ويتخلص بها من النار .
المسألة الثالثة: قرىء: { فك رقبة * أو إطعام } ، والتقدير هي فك رقبة أو إطعام وقرىء: ( فك رقبة أو أطعم ) على الإبدال من اقتحم العقبة ، وقوله: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة } اعتراض ، قال الفراء: وهو أشبه الوجهين بصحيح العربية لقوله: { ثُمَّ كَانَ } [ البلد: 16 ] لأن فك وأطعم فعل ، وقوله: { كان } فعل ، وينبغي أن يكون الذي يعطف عليه الفعل فعلًا ، أما لو قيل: ثم إن كان كان ذلك مناسبًا لقوله: { فَكُّ رَقَبَةٍ } بالرفع لأنه يكون عطفًا للاسم على الاسم .
المسألة الرابعة: عند أبي حنيفة العتق أفضل أنواع الصدقات ، وعند صاحبية الصدقة أفضل ، والآية أدل على قول أبي حنيفة: لتقدم العتق على الصدقة فيها .