فهرس الكتاب

الصفحة 6997 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: { تَنزِعُ الناس } وصف أو حال؟ نقول: يحتمل الأمرين جميعًا ، إذ يصح أن يقال: أرسل ريحًا صرصرًا نازعة للناس ، ويصح أن يقال: أرسل الريح نازعة ، فإن قيل: كيف يمكن جعلها حالًا ، وذو الحال نكرة؟ نقول: الأمر هنا أهون منه في قوله تعالى: { وَلَقَدْ جَاءهُم مّنَ الأنباء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } [ القمر: 4 ] فإنه نكرة ، وأجابوا عنه بأن { مَا } موصوفة فتخصصت فحسن جعلها ذات الحال ، فكذلك نقول ههنا الريح موصوفة بالصرصر ، والتنكير فيه للتعظيم ، وإلا فهي ثلاثة فلا يبعد جعلها ذات حال ، وفيه وجه آخر ، وهو أنه كلام مستأنف على فعل وفاعل ، كما تقول: جاء زيد جذبني ، وتقديره جاء فجذبني ، كذلك ههنا قال: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا } [ القمر: 19 ] فأصبحت { تَنزِعُ الناس } ويدل عليه قوله تعالى: { فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى } [ الحاقة: 7 ] فالتاء في قوله: { تَنزِعُ الناس } إشارة إلى ما أشار إليه بقوله: { صرعى } وقوله تعالى: { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } فيه وجوه أحدها: نزعتهم فصرعتهم: { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ } كما قال: { صرعى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ } ثانيها: نزعتهم فهم بعد النزع: كأنهم أعجاز نخل وهذا أقرب ، لأن الانقعار قبل الوقوع ، فكأن الريح تنزع ( الواحد ) وتقعر ( ه ) فينقعر فيقع فيكون صريعًا ، فيخلو الموضع عنه فيخوى ، وقوله في الحاقة: { فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } إشارة إلى حالة بعد الانقعار الذي هو بعد النزع ، وهذا يفيد أن الحكاية ههنا مختصرة حيث لم يشر إلى صرعهم وخلو منازلهم عنهم بالكلية ، فإن حال الانقعار لا يحصل الخلو التام إذ هو مثل الشروع في الخروج والأخذ فيه ثالثها: تنزعهم نزعًا بعنف كأنهم أعجاز نخل تقعرهم فينقعروا إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض ، وفي المعنى وجوه أحدها: أنه ذكر ذلك إشارة إلى عظمة أجسادهم وطول أقدادهم ثانيها: ذكره إشارة إلى ثباتهم في الأرض ، فكأنهم كانوا يعملون أرجلهم في الأرض ويقصدون المنع به على الريح وثالثها: ذكره إشارة إلى يبسهم وجفافهم بالريح ، فكانت تقتلهم وتحرقهم ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة .

المسألة الثانية: قال ههنا: { مُّنقَعِرٍ } فذكر النخل ، وقال في الحاقة: { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } فأنثها ، قال المفسرون: في تلك السورة كانت أواخر الآيات تقتضي ذلك لقوله: { مُّسْتَمِرٌّ } [ القمر: 19 ] { ومنهمر } [ القمر: 11 ] { ومنتشر } [ القمر: 7 ] وهو جواب حسن ، فإن الكلام كما يزين بحسن المعنى يزين بحسن اللفظ ، ويمكن أن يقال: النخل لفظه لفظ الواحد ، كالبقل والنمل ومعناه معنى الجمع ، فيجوز أن يقال فيه: نخل منقعر ومنقعرة ومنقعرات ، ونخل خاوٍ وخاوية وخاويات ونخل باسق وباسقة وباسقات ، فإذا قال قائل: منقعر أو خاوٍ أو باسق جرد النظر إلى اللفظ ولم يراع جانب المعنى ، وإذا قال: منقعرات أو خاويات أو باسقات جرد النظر إلى المعنى ولم يراع جانب اللفظ ، وإذا قال: منقعرة أو خاوية أو باسقة جمع بين الاعتبارين من حيث وحدة اللفظ ، وربما قال: منقعرة على الإفراد من حيث اللفظ ، وألحق به تاء التأنيث التي في الجماعة إذا عرفت هذا فنقول: ذكر الله تعالى لفظ النخل في مواضع ثلاثة ، ووصفها على الوجوه الثلاثة ، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت