وفيه مسائل:
المسألة الأولى: روي عن أبي جهل لعنه الله أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم ، قال: فوالذي يحلف به لئن رأيته لأطأن عنقه ، ثم إنه رأى رسول الله A في الصلاة فنكص على عقبيه ، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا شديدًا . وعن الحسن أن أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة .
واعلم أن ظاهر الآية أن المراد في هذه الآية هو الإنسان المتقدم ذكره ، فلذلك قالوا: إنه ورد في أبي جهل ، وذكروا ما كان منه من التوعد لمحمد E حين رآه يصلي ، ولا يمتنع أن يكون نزولها في أبي جهل ، ثم يعم في الكل ، لكن ما بعده يقتضي أنه في رجل بعينه .
المسألة الثانية: قوله: { أَرَأَيْتَ } خطاب مع الرسول على سبيل التعجب ، ووجه التعجب فيه أمور أحدها: أنه عليه السلام قال: اللهم أعز الإسلام إما بأبي جهل بن هشام أو بعمر ، فكأنه تعالى قال له: كنت تظن أنه يعز به الإسلام ، أمثله يعز به الإسلام ، وهو: ينهى عبدًا إذا صلى وثانيها: أنه كان يلقب بأبي الحكم ، فكأنه تعالى يقول: كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن خدمة ربه ، أيوصف بالحكمة من يمنع عن طاعة الرحمن ويسجد للأوثان! وثالثها: أن ذلك الأحمق يأمر وينهى ، ويعتقد أنه يجب على الغير طاعته ، مع أنه ليس بخالق ولا رب ، ثم إنه ينهى عن طاعة الرب والخالق ، ألا يكون هذا غاية الحماقة .
المسألة الثالثة: قال: { ينهى عَبْدًا } ولم يقل: ينهاك ، وفيه فوائد أحدها: أن التنكير في عبدًا يدل على كونه كاملًا في العبودية ، كأنه يقول: إنه عبد لا يفي العالم بشرح بيانه وصفة إخلاصه في عبوديته يروى: في هذا المعنى أن يهوديًا من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته فقال: أخبرني عن أخلاق رسولكم ، فقال عمر: اطلبه من بلال فهو أعلم به مني . ثم إن بلالًا دله على فاطمة ثم فاطمة دلته على علي عليه السلام ، فلما سأل عليًا عنه قال: صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه ، فقال الرجل: هذا لا يتيسر لي ، فقال علي: عجزت عن وصف متاع الدنيا وقد شهد الله على قلته حيث قال: { قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ } [ النساء: 77 ] فكيف أصف أخلاق النبي وقد شهد الله تعالى بأنه عظيم حيث قال: { وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم: 4 ] فكأنه تعالى قال: ينهى أشد الخلق عبودية عن العبودية وذلك عين الجهل والحمق وثانيها: أن هذا أبلغ في الذم لأن المعنى أن هذا دأبه وعادته فينهى كل من يرى وثالثها: أن هذا تخويف لكل من نهى عن الصلاة ، روى عن علي عليه السلام أنه رأى في المصلى أقوامًا يصلون قبل صلاة العيد ، فقال: ما رأيت رسول الله A يفعل ذلك ، فقيل له: ألا تنهاهم؟ فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله: { أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْدًا إِذَا صلى } فلم يصرح بالنهي عن الصلاة ، وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حيث قال له أبو يوسف: أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟ قال: يقول ربنا لك الحمد ويسجد ولم يصرح بالنهي ورابعها: أيظن أبو جهل أنه لو لم يسجد محمد لي لا أجد ساجدًا غيره ، إن محمد عبد واحد ، ولي من الملائكة المقربين مالا يحصيهم إلا أنا وهم دائمًا في الصلاة والتسبيح وخامسها: أنه تفخيم لشأن النبي عليه السلام يقول: إنه مع التنكير معرف ، نظيره الكناية في سورة القدر حملت على القرآن ولم يسبق له ذكر