ثم إن الله تعالى لما بين حال الأولين قال للحاضرين: { أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون } أي الباقون لا يرون ما جرى على من تقدمهم ، ويحتمل أن يقال: إن الذين قيل في حقهم: { يا حَسْرَةً } [ يس: 30 ] هم الذين قال في حقهم: { أَلَمْ يَرَوْاْ } ومعناه أن كل مهلك تقدمه قوم كذبوا وأهلكوا إلى قوم نوح وقبله .
وقوله: { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } بدل في المعنى عن قوله: { كَمْ أَهْلَكْنَا } وذلك لأن معنى: { كَمْ أَهْلَكْنَا } ألم يروا كثرة إهلاكنا ، وفي معنى ، ألم يروا المهلكين الكثيرين أنهم إليهم لا يرجعون ، وحينئذٍ يكون كبدل الاشتمال ، لأن قوله: { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } حال من أحوال المهلكين ، أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم فيصير كقولك: ألا ترى زيدًا أدبه ، وعلى هذا فقوله: { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } فيه وجهان أحدهما: أهلكوا إهلاكًا لا رجوع لهم إلى من في الدنيا وثانيهما: هو أنهم لا يرجعون إليهم ، أي الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بنسب ولا ولادة ، يعني أهلكناهم وقطعنا نسلهم ، ولا شك في أن الإهلاك الذي يكون مع قطع النسل أتم وأعم ، والوجه الأول أشهر نقلًا ، والثاني أظهر عقلًا .