فهرس الكتاب

الصفحة 2573 من 8321

ثم قال تعالى: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } وهذا خطاب مع محمد A ، فقوله { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } أي القرآن ، وقوله { مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } أي كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن .

وقوله { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } فيه مسائل:

المسألة الأولى: في المهيمن قولان: الأول: قال الخليل وأبو عبيدة: يقال قد هيمن إذا كان رقيبًا على الشيء وشاهدًا عليه حافظًا . قال حسّان:

إن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب

والثاني: قالوا: الأصل في قولنا: آمن يؤمن فهو مؤمن ، أأمن يؤامن فهو مؤامن بهمزتين ، ثم قلبت الأولى هاء كما في: هرقت وأرقت ، وهياك وإياك ، وقلبت الثانية ياء فصار مهيمنًا فلهذا قال المفسرون { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } أي أمينًا على الكتب التي قبله .

المسألة الثانية: إنما كان القرآن مهيمنًا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير مسنوخًا ألبتة ، ولا يتطرق إليه البتديل والتحريف على ما قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر: 9 ] وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق باقية أبدًا ، فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبدًا .

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرىء { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } بفتح الميم لأنه مشهود عليه من عند الله تعالى: بأن يصونه عن التحريف والتبديل لما قررنا من الآيات ، ولقوله { لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } [ فصلت: 42 ] والمهيمن عليه هو الله تعالى .

ثم قال تعالى: { فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله } يعني فاحكم بين اليهود بالقرآن والوحي الذي نزله الله تعالى عليك .

{ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: { وَلاَ تَتَّبِعِ } يريد ولا تنحرف ، ولذلك عداه بعن ، كأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعًا أهواءهم .

المسألة الثانية: روي أن جماعة من اليهود قالوا: تعالوا نذهب إلى محمد A لعلنا نفتنه عن دينه ، ثم دخلوا عليه وقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعك كل اليهود ، وإن بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك ، فاقض لنا ونحن نؤمن بك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

المسألة الثالثة: تمسك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقال: لولا جواز المعصية عليهم وإلا لما قال: { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق } .

والجواب: أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي . وقيل: الخطاب له والمراد غيره .

ثم قال تعالى: { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: لفظ ( الشرعة ) : في اشتقاقه وجهان: الأول: معنى شرع بين وأوضح . قال ابن السكيت: لفظ الشرع مصدر: شرعت الإهاب ، إذا شققته وسلخته . الثاني: شرع مأخوذ من الشروع في الشيء وهو الدخول فيه ، والشريعة في كلام العرب المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون منها ، فالشريعة فعيلة بمعنى المعفولة ، وهي الأشياء التي أوجب الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها ، وأما المنهاج فهو الطريق الواضح ، يقال: نهجب لك الطريق وأنهجب لغتان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت