فهرس الكتاب

الصفحة 6360 من 8321

اعلم أنه تعالى راعى ترتيبا لطيفًا في آخر هذه السورة ، وذلك أنه ذكر فصلًا في دلائل الإلهية وكمال القدرة والرحمة والحكمة ، ثم أردفه بفصل التهديد والوعيد وهذا الفصل الذي وقع عليه ختم هذه السورة هو الفصل المشتمل على الوعيد ، والمقصود أن هؤلاء الكفار الذين يجادلون في آيات الله وحصل الكبر العظيم في صدورهم بهذا ، والسبب في ذلك كله طلب الرياسة والتقدم على الغير في المال والجاه ، فمن ترك الانقياد للحق لأجل طلب هذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا ، فبين تعالى أن هذه الطريقة فاسدة ، لأن الدنيا فانية ذاهبة ، واحتج عليه بقوله تعالى: { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني لو ساروا في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين المتمردين ، ليست إلا الهلاك والبوار ، مع أنهم كانوا أكثر عددًا ومالًا وجاهًا من هؤلاء المتأخرين ، فلما لم يستفيدوا من تلك المكنة العظيمة والدولة القاهرة إلا الخيبة والخسار ، والحسرة والبوار ، فكيف يكون حال هؤلاء الفقراء المساكين ، أما بيان أنهم كانوا أكثر من هؤلاء عددًا فإنما يعرف في الأخبار ، وأما أنهم كانوا أشد قوة وآثارًا في الأرض ، فلأنه قد بقيت آثارهم بحصون عظيمة بعدهم ، مثل الأهرام الموجودة بمصر ، ومثل هذه البلاد العظيمة التي بناها الملوك المتقدمون ، ومثل ما حكى الله عنهم من أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتًا .

ثم قال تعالى: { فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } ما في قوله { فَمَا أغنى عَنْهُمْ } نافية أو مضمنة معنى الاستفهام ومحلها النصب ، وما في قوله { مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع يعني أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم .

ثم بيّن تعالى أن أولئك الكفار لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات فرحوا بما عندهم من العلم ، واعلم أن الضمير في قوله { فَرِحُواْ } يحتمل أن يكون عائدًا إلى الكفار ، وأن يكون عائدًا إلى الرسل ، أما إذا قلنا إنه عائد إلى الكفار ، فذلك العلم الذي فرحوا به أي علم كان؟ وفيه وجوه الأول: أن يكون المراد الأشياء التي كانوا يسمونها بالعلم ، وهي الشبهات التي حكاها الله عنهم في القرآن كقولهم { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر } [ الجاثية: 24 ] وقولهم { لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا } [ الأنعام: 148 ] وقولهم { مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } [ يس: 78 ] ، { وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْرًا مّنْهَا مُنْقَلَبًا } [ الكهف: 36 ] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء ، كما قال: { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } [ المؤمنون: 53 ] ، الثاني: يجوز أن يكون المراد علوم الفلاسفة ، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علومهم ، وعن سقراط أنه سمع بمجيء بعض الأنبياء فقيل له لو هاجرت فقال نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا الثالث: يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها ، كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت