فهرس الكتاب

الصفحة 3400 من 8321

اعلم أنه تعالى لما قال في حق الكفار أنهم ما كانوا أولياء البيت الحرام . وقال: { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون } [ الأنفال: 34 ] بين بعده ما به خرجوا من أن يكونوا أولياء البيت ، وهو أن صلاتهم عند البيت وتقربهم وعبادتهم إنما كان بالمكاء والتصدية . قال صاحب «الكشاف» : المكاء فعال بوزن النغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر ، والمكاء الصفير . ومنه المكاء وهو طائر يألف الريف ، وجمعه المكاكي سمى بذلك لكثرة مكانه . وأما التصدية فهي التصفيق . يقال: صدى يصدي تصدية إذا صفق بيديه ، وفي أصلها قولان: الأول: أنها من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من جبل . الثاني: قال أبو عبيدة: أصلها تصددة ، فأبدلت الياء من الدال . ومنه قوله تعالى: { إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } [ الزخرف: 57 ] أي يعجزون ، وأنكر بعضهم هذا الكلام ، والأزهري صحح قول أبي عبيدة . وقال: صدى أصله صدى ، فكثرت الدالات الدالة فقلبت إحداهن ياء .

إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون وقال مجاهد: كانوا يعارضون النبي A في الطواف ويستهزؤون به ويصفرون ويخلطون عليه طوافه وصلاته ، وقال مقاتل: كان إذا صلى الرسول في المسجد يقومون عن يمينه ويساره بالتصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته . فعلى قول ابن عباس: كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم ، وعلى قول مجاهد ومقاتل ، كان إيذاء للنبي A . والأول أقرب لقوله تعالى: { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً } .

فإن قيل: المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف يجوز استثناؤهما عن الصلاة؟

قلنا: فيه وجوه: الأول: أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة ، فخرج هذا الاستثناء على حسب معتقدهم . الثاني: أن هذا كقولك وددت الأمير فجعل جفائي صلتي . أي أقام الجفاء مقام الصلة فكذا ههنا . الثالث: الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له ، كما تقول العرب ، ما لفلان عيب إلا السخاء . يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له .

ثم قال تعالى: { فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } أي عذاب السيف يوم بدر ، وقيل: يقال لهم في الآخرة: { فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت