فهرس الكتاب

الصفحة 4715 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين خساسة الدنيا وشرف القيامة أردفه بأحوال القيامة فقال: { وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال } والمقصود منه الرد على المشركين الذي افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأعوان واختلفوا في الناصب لقوله: { وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال } على وجوه: أحدها: أنه يكون التقدير واذكر لهم: { يَوْمٍ نُسَيّرُ الجبال } عطفًا على قوله: { واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا } [ الكهف: 45 ] . الثاني: أنه يكون التقدير: { وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال } حصل كذا وكذا يقال لهم: { لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ } لأن القول مضمر في هذا الموضع فكان المعنى أنه يقال لهم: هذا في هذا الموضع . الثالث: أن يكون التقدير { خَيْرٌ أَمَلًا } في { يَوْمٍ نُسَيّرُ الجبال } والأول أظهر . إذا عرفت هذا فنقول: إنه ذكر في الآية من أحوال القيامة أنواعًا . النوع الأول: قوله: { وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال } وفيه بحثان:

البحث الأول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير على فعل ما لم يسم فاعله الجبال بالرفع بإسناد تسير إليه اعتبارًا بقوله تعالى: { وَإِذَا الجبال سُيّرَتْ } [ التكوير: 3 ] والباقون نسير باسناد فعل التسيير إلى نفسه ( تعالى و ) الجبال بالنصب لكونه مفعول نسير ، والمعنى نحن نفعل بها ذلك اعتبارًا بقوله: { وحشرناهم فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا } والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ليس إلا الله سبحانه . ونقل صاحب « الكشاف » قراءة أخرى وهي تسير الجبال بإسناد تسير إلى الجبال .

البحث الثاني: قوله: { وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال } ليس في لفظ الآية ما يدل على أنها إلى أين تسير ، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك الموضع لخلقه والحق أن المراد أنه تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى: { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لاَّ ترى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا } [ طه: 105 107 ] ولقوله: { وَبُسَّتِ الجبال بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا } [ الواقعة: 5 ، 6 ] و النوع الثاني: من أحوال القيامة قوله تعالى: { وَتَرَى الأرض بَارِزَةً } وفي تفسيره وجوه: أحدها: أنه لم يبق على وجهها شيء من العمارات ، ولا شيء من الجبال ، ولا شيء من الأشجار ، فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها ، وهو المراد من قوله: { لاَّ ترى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا } . وثانيها: أن المراد من كونها بارزة أنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فهي بارزة الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف ، ودليله قوله تعالى: { وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } [ الانشقاق: 4 ] وقوله: { وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا } [ الزلزلة: 2 ] وقوله: { وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } . وثالثها: أن وجوه الأرض كانت مستورة بالجبال والبحار ، فلما أفنى الله تعالى الجبال والبحار فقد برزت وجوه تلك البقاع بعد أن كانت مستورة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت