فهرس الكتاب

الصفحة 1621 من 8321

واعلم أن هذا الدعاء من بقية كلام الراسخين في العلم ، وذلك لأنهم لما طلبوا من الله تعالى أن يصونهم عن الزيغ ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة ، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية منقرضة ، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفًا وكلامك لا يكون كذبًا ، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد ، ومن أعطيته التوفيق والهداية والرحمة وجعلته من المؤمنين ، بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد ، فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة ، بقي في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله { رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } تقديره: جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه ، فحذف لكون المراد ظاهرًا .

المسألة الثانية: إن كلام المؤمنين تم عند قوله { لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } فأما قوله { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } فهو كلام الله عزّ وجلّ ، كأن القوم لما قالوا { إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } صدقهم الله تعالى في ذلك وأيد كلامهم بقوله { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } كما قال حكاية عن المؤمنين في آخر هذه السورة { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } [ آل عمران: 194 ] ومن الناس من قال: لا يبعد ورود هذا على طريقة العدول في الكلام من الغيبة إلى الحضور ، ومثله في كتاب الله تعالى كثير ، قال تعالى: { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } [ يونس: 22 ] .

فإن قيل: فلم قالوا في هذه الآية { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } وقالوا في تلك الآية { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } .

قلت: الفرق - والله أعلم - أن هذه الآية في مقام الهيبة ، يعني أن الإلهية تقتضي الحشر والنشر لينتصف المظلومين من الظالمين ، فكان ذكره باسمه الأعظم أولى في هذا المقام ، أما قوله في آخر السورة { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } [ آل عمران: 194 ] فذاك المقام مقام طلب العبد من ربه أن ينعم عليه بفضله ، وأن يتجاوز عن سيئاته فلم يكن المقام مقام الهيبة ، فلا جرم قال: { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } .

المسألة الثالثة: احتج الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، قال: وذلك لأن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ، بدليل قوله تعالى: { أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا } [ الأعراف: 44 ] والوعد والموعد والميعاد واحد ، وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد فكان هذا دليلًا على أنه لا يخلف في الوعيد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت