فهرس الكتاب

الصفحة 5906 من 8321

المحاريب إشارة إلى الأبنية الرفيعة ولهذا قال تعالى: { إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب } [ ص: 21 ] والتماثيل ما يكون فيها من النقوش ، ثم لما ذكر البناء الذي هو المسكن بين ما يكون في المسكن من ماعون الأكل فقال: { وَجِفَانٍ كالجواب } جمع جابية وهي الحوض الكبير الذي يجبي الماء أي يجمعه وقيل كان يجتمع على جفنة واحدة ألف نفس { وَقُدُورٍ رسيات } ثابتات لا تنقل لكبرها ، وإنما يغرف منها في تلك الجفان ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قدم المحاريب على التماثيل لأن النقوش تكون في الأبنية وقدم الجفان في الذكر على القدور مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل ، فنقول: لما بين الأبنية الملكية أراد بيان عظمة السماط الذي يمد في تلك الدور ، وأشار إلى الجفان لأنها تكون فيه ، وأما القدور فلا تكون فيه ، ولا تحضر هناك ، ولهذا قال: { رسيات } أي غير منقولات ، ثم لما بين حال الجفان العظيمة ، كان يقع في النفس أن الطعام الذي يكون فيها في أي شيء يطبخ ، فأشار إلى القدور المناسبة للجفان .

المسألة الثانية: ذكر في حق داود اشتغاله بآلة الحرب ، وفي حق سليمان بحالة السلم وهي المساكن والمآكل وذلك لأن سليمان كان ولد داود ، وداود قتل جالوت والملوك الجبابرة ، واستوى داود على الملك ، فكان سليمان كولد ملك يكون أبوه قد سوى على ابنه الملك وجمع له المال فهو يفرقه على جنوده ، ولأن سليمان لم يقدر أحد عليه في ظنه فتركوا الحرب معه وإن حاربه أحد كان زمان الحرب يسيرًا لإدراكه إياه بالريح فكان في زمانه العظمة بالإطعام والإنعام .

المسألة الثالثة: لما قال عقيب قوله تعالى: { أَنِ اعمل سابغات } { اعملوا صالحًا } [ سبأ: 11 ] ، قال عقيب ما يعمله الجن: { اعملوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا } إشارة إلى ما ذكرنا أن هذه الأشياء حالية لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة فيها وإنما الواجب الذي ينبغي أن يكثر منه هو العمل الصالح الذي يكون شكرًا ، وفيه إشارة إلى عدم الالتفات إلى هذه الأشياء ، وقلة الاشتغال بها كما في قوله: { وَقَدِّرْ فِى السرد } [ سبأ: 11 ] أي اجعله بقدر الحاجة .

المسألة الرابعة: انتصاب شكرًا يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون مفعولًا له كقول القائل جئتك طمعًا وعبدت الله رجاء غفرانه وثانيها: أن يكون مصدرًا كقول القائل شكرت الله شكرًا ويكون المصدر من غير لفظ الفعل كقول القائل جلست قعودًا ، وذلك لأن العمل شكر فقوله: { اعملوا } يقوم مقام قوله: { اشكروا } وثالثها: أن يكون مفعولًا به كقولك اضرب زيدًا كما قال تعالى: { واعملوا صالحا } [ سبأ: 11 ] لأن الشكر صالح .

المسألة الخامسة: قوله: { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ الشكور } إشارة إلى أن الله خفف الأمر على عباده ، وذلك لأنه لما قال: { اعملوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا } فهم منه أن الشكر واجب لكن شكر نعمه كما ينبغي لا يمكن ، لأن الشكر بالتوفيق وهو نعمة تحتاج إلى شكر آخر وهو بتوفيق آخر ، فدائمًا تكون نعمة الله بعد الشكر خالية عن الشكر ، فقال تعالى: إن كنتم لا تقدرون على الشكر التام فليس عليكم في ذلك حرج ، فإن عبادي قليل منهم الشكور ويقوي قولنا أنه تعالى أدخل الكل في قوله: { عِبَادِي } مع الإضافة إلى نفسه ، وعبادي بلفظ الإضافة إلى نفس المتكلم لم ترد في القرآن إلا في حق الناجين ، كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت