في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام ، ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة ، والقوة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة .
المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: { أَوَ لَمْ تَرَوْاْ } بالتاء على الخطاب ، وكذلك في سورة العنكبوت: { أَوَ لَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } [ العنكبوت: 19 ] بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء فيهما كناية عن الذين مكروا السيئات ، وأيضًا أن ما قبله غيبة وهو قوله: { أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرض أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب * أَوْ يَأْخُذَهُمْ } [ النحل: 45 ، 46 ] فكذا قوله: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } وقرأ أبو عمرو وحده: { تتفيؤ } بالتاء والباقون بالياء ، وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع .
المسألة الثالثة: قوله: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله } لما كانت الرؤية ههنا بمعنى النظر وصلت بإلى ، لأن المراد به الاعتبار والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله ، وقوله: { إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْء } قال أهل المعاني: أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم ، ولفظ الآية يشعر بهذا القيد ، لأن قوله: { مِن شَيْء يَتَفَيَّؤُاْ ظلاله عَنِ اليمين والشمآئل } يدل على أن ذلك الشيء كثيف يقع له ظل على الأرض . وقوله: { يَتَفَيَّؤُاْ ظلاله } إخبار عن قوله: { شَيْء } وليس بوصف له ، ويتفيأ يتفعل من الفيء يقال: فاء الظل يفيء فيئًا إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس ، وأصل الفيء الرجوع ، ومنه فيء المولي وذكرنا ذلك في قوله تعالى: { فَإِن فاؤا فإن الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ البقرة: 226 ] وكذلك فيء المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم ، ومنه قوله تعالى: { مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ } [ الحشر: 6 ] وأصل هذا كله من الرجوع .
إذا عرفت هذا فنقول: إذا عدي فاء فإنه يعدى إما بزيادة الهمزة إو بتضعيف العين . أما التعدية بزيادة الهمزة كقوله: { مَّا أَفَاء الله } وأما بتضعيف العين فكقوله فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ . قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار ، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس كمال قال الشاعر:
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تذوق
قال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل ، ومنهم من أنكر ذلك ، فإن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي: