فهرس الكتاب

الصفحة 3873 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر أن عذاب أولئك الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بد وأن يحيق بهم ، ذكر بعده ما يدل على كفرهم ، وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب . فقال: { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: لفظ { الإنسان } في هذه الآية فيه قولان:

القول الأول: أن المراد منه مطلق الإنسان ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى استثنى منه قوله: { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فثبت أن الإنسان المذكور في هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر ، وذلك يدل على ما قلناه . الثاني: أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لقوله تعالى: { والعصر * إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ العصر: 1 3 ] وموافقة أيضًا لقوله تعالى: { إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعًا } [ المعارج: 19 21 ] الثالث: أن مزاج الإنسان مجبول على الضعف والعجز . قال ابن جريج في تفسير هذه الآية يا ابن آدم إذا نزلت لك نعمة من الله فأنت كفور ، فإذا نزعت منك فيؤس قنوط .

والقول الثاني: أن المراد منه الكافر ، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الأصل في المفرد المحلى بالألف واللام أن يحمل على المعهود السابق لولا المانع ، وههنا لا مانع فوجب حمله عليه والمعهود السابق هو الكافر المذكور في الآية المتقدمة . الثاني: أن الصفات المذكورة للإنسان في هذه الآية لا تليق إلا بالكافر لأنه وصفه بكونه يؤسًا ، وذلك من صفات الكافر لقوله تعالى: { إنه لا ييأس من روح الله إلا القووم الكافرون } [ يوسف: 87 ] ووصفه أيضًا بكونه كفورًا ، وهو تصريح بالكفر ووصفه أيضًا بأنه عند وجدان الراحة يقول: { ذهب السيئات عني } [ هود: 10 ] وذلك جراءة على الله تعالى ، ووصفه أيضًا بكونه فرحًا { والله لاَ يُحِبُّ الفرحين } [ القصص: 76 ] ووصفه أيضًا بكونه فخورًا ، وذلك ليس من صفات أهل الدين . ثم قال الناظرون لهذا القول: وجب أن يحمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع حتى لا تلزمنا هذه المحذورات .

المسألة الثانية: لفظ الإذاقة والذوق يفيد أقل ما يوجد به الطعم ، فكان المراد أن الإنسان بوجدان أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد والطغيان ، وبإدراك أقل القليل من المحنة والبلية يقع في اليأس والقنوط والكفران فالدنيا في نفسها قليلة ، والحاصل منها للإنسان الواحد قليل ، والإذاقة من ذلك المقدار خير قليل ثم إنه في سرعة الزوال يشبه أحلام النائمين وخيالات الموسوسين ، فهذه الإذاقة من قليل ، ومع ذلك فإن الإنسان لا طاقة له بتحملها ولا صبر له على الإتيان بالطريق الحسن معها . وأما النعماء فقال الواحدي: إنها إنعام يظهر أثره على صاحبه ، والضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها ، لأنها خرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حمراء وعوراء ، وهذا هو الفرق بين النعمة والنعماء ، والمضرة والضراء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت