واعلم أن في جواب القسم وجهين الأول: أن جواب القسم هو قوله: { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } وما بين الموضعين معترض بينهما الثاني: قال صاحب «الكشاف» : المقسم عليه محذوف وهو لنعذبن الكافرين ، يدل عليه قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ } إلى قوله { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } وهذا أولى من الوجه الأول لأنه لما لم يتعين المقسم عليه ذهب الوهم إلى كل مذهب ، فكان أدخل في التخويف ، فلما جاء بعده بيان عذاب الكافرين دل على أن المقسم عليه أولًا هو ذلك .
أما قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: ألم تر ، ألم تعلم لأن ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول وإنما أطلق لفظ الرؤية ههنا على العلم ، وذلك لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت منقولة بالتواتر! أما عاد وثمود فقد كانا في بلاد العرب وأما فرعون فقد كانوا يسمعونه من أهل الكتاب ، وبلاد فرعون أيضًا متصلة بأرض العرب وخبر التواتر يفيد العلم الضروري ، والعلم الضروري جار مجرى الرؤية في القوة والجلاء والبعد عن الشبهة ، فلذلك قال: { أَلَمْ تَرَ } بمعنى ألم تعلم .
المسألة الثانية: قوله: { أَلَمْ تَرَ } وإن كان في الظاهر خطابًا للنبي A لكنه عام لكل من علم ذلك . والمقصود من ذكر الله تعالى حكايتهم أن يكون زجرًا للكفار عن الإقامة على مثل ما أدى إلى هلاك عاد وثمود وفرعون وقومه ، وليكون بعثًا للمؤمنين على الثبات على الإيمان .
أما قوله تعالى: { بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: أنه تعالى ذكر ههنا قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين وهي عاد وثمود وقوم فرعون على سبيل الإجمال حيث قال: { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } ولم يبين كيفية ذلك العذاب ، وذكر في سورة الحاقة بيان ما أبهم في هذه السورة فقال: { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ } [ الحاقة: 5 - 6 ] إلى قوله { وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ والمؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ } [ الحاقة: 9 - 9 ] الآية .
المسألة الثانية: عاد هو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ، ثم إنهم جعلوا لفظة عاد اسمًا للقبيلة كما يقال لبني هاشم هاشم ولبني تميم تميم ، ثم قالوا للمتقدمين من هذه القبيلة عاد الأولى قال تعالى: { وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولى } [ النجم: 50 ] وللمتأخرين عاد الأخيرة ، وأما إرم فهو اسم لجد عاد ، وفي المراد منه في هذه الآية أقوال: أحدها: أن المتقدمين من قبيلة عاد كانوا يسمون بعاد الأولى فلذلك يسمون بإرم تسمية لهم باسم جدهم والثاني: أن إرم اسم لبلدتهم التي كانوا فيها ثم قبل تلك المدينة هي الإسكندرية وقيل دمشق والثالث: أن إرم أعلام قوم عاد كانوا يبنونها على هيئة المنارة وعلى هيئة القبور ، قال أبو الدقيش: الأروم قبور عاد ، وأنشد: