فهرس الكتاب

الصفحة 4017 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: وجه النظم أن يقال: بين تعالى أن إخوته لما أساؤا إليه ، ثم إنه صبر على تلك الشدائد والمحن مكنه الله تعالى في الاْرض ، ثم لما بلغ أشده آتاه الله الحكم والعلم ، والمقصود بيان أن جميع ما فاز به من النعم كان كالجزاء على صبره على تلك المحن ، ومن الناس من قال: إن النبوة جزاء على الأعمال الحسنة ، ومنهم من قال: إن من اجتهد وصبر على بلاء الله تعالى وشكر نعماء الله تعالى وجد منصب الرسالة . واحتجوا على صحة قولهم: بأنه تعالى لما ذكر صبر يوسف على تلك المحن ذكر أنه أعطاه النبوة والرسالة .

ثم قال تعالى: { وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } وهذا يدل على أن كل من أتى بالطاعات الحسنة التي أتى بها يوسف ، فإن الله يعطيه تلك المناصب ، وهذا بعيد لاتفاق العلماء على أن النبوة غير مكتسبة .

واعلم أن من قال: إن يوسف ما كان رسولًا ولا نبيًا ألبتة ، وإنما كان عبدًا أطاع الله تعالى فأحسن الله إليه ، وهذا القول باطل بالإجماع . وقال الحسن: إنه كان نبيًا من الوقت الذي قال الله تعالى في حقه: { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا } [ يوسف: 15 ] وما كان رسولًا ، ثم إنه صار رسولًا من هذا الوقت أعني قوله: { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ اتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } [ يوسف: 22 ] ومنهم من قال: إنه كان رسولًا من الوقت الذي ألقى في غيابة الجب .

المسألة الثانية: قال أبو عبيدة تقول العرب بلغ فلان أشده إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوته قبل أن يأخذ في النقصان وهذا اللفظ يستعمل في الواحد والجمع يقال بلغ أشده وبلغوا أشدهم ، وقد ذكرنا تفسير الأشد في سورة الأنعام عند قوله: { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } [ الأنعام: 152 ] وأما التفسير فروى ابن جرير عن مجاهد عن ابن عباس ، ولما بلغ أشده قال ثلاثًا وثلاثين سنة ، وأقول هذه الرواية شديدة الانطباق على القوانين الطبية وذلك لأن الأطباء قالوا إن الإنسان يحدث في أول الأمر ويتزايد كل يوم شيئًا فشيئًا إلى أن ينتهي إلى غاية الكمال ، ثم يأخذ في التراجع والانتقاص إلى أن لا يبقى منه شيء ، فكانت حالته شبيهة بحال القمر ، فإنه يظهر هلالًا ضعيفًا ثم لا يزال يزداد إلى أن يصير بدرًا تامًا ، ثم يتراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق .

إذا عرفت هذا فنقول: مدة دور القمر ثمانية وعشرون يومًا وكسر فإذا جعلت هذه الدورة أربعة أقسام ، كان كل قسم منها سبعة أيام ، فلا جرم رتبوا أحوال الأبدان على الأسابيع فالإنسان إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب إلى أن يتم له سبع سنين ، ثم إذا دخل في السبعة الثانية حصل فيه آثار الفهم والذكاء والقوة ثم لا يزال في الترقي إلى أن يتم له أربع عشرة سنة . فإذا دخل في السنة الخامسة عشرة دخل في الأسبوع الثالث . وهناك يكمل العقل ويبلغ إلى حد التكليف وتتحرك فيه الشهوة ، ثم لا يزال يرتقي على هذه الحالة إلى أن يتم السنة الحادية والعشرين ، وهناك يتم الأسبوع الثالث ويدخل في السنة الثانية والعشرين ، وهذا الأسبوع آخر أسابيع النشوء والنماء ، فإذا تمت السنة الثامنة والعشرون فقد تمت مدة النشوء والنماء ، وينتقل الإنسان منه إلى زمان الوقوف وهو الزمان الذي يبلغ الإنسان فيه أشده ، وبتمام هذا الأسبوع الخامس يحصل للإنسان خمسة وثلاثون سنة ، ثم إن هذه المراتب مختلفة في الزيادة والنقصان؛ فهذا الأسبوع الخامس الذي هو أسبوع الشدة والكمال يبتدأ من السنة التاسعة والعشرين إلى الثالثة والثلاثين ، وقد يمتد إلى الخامسة والثلاثين ، فهذا هو الطريق المعقول في هذا الباب ، والله أعلم بحقائق الأشياء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت