فهرس الكتاب

الصفحة 2473 من 8321

قوله تعالى: { اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } .

اعلم أنه تعالى أخبر في هذه الآية المتقدمة أنه أحل الطيبات ، وكان المقصود من ذكره الأخبار عن هذا الحكم ، ثم أعاد ذكره في هذه الآية ، والغرض من ذكره أنه قال: { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } فبين أنه كما أكمل الدين وأتمم النعمة في كل ما يتعلق بالدين ، فكذلك أتم النعمة في كل ما يتعلق بالدنيا ، ومنها إحلال الطيبات ، والغرض من الاعادة رعاية هذه النكتة .

ثم قال تعالى: { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } وفي المراد بالطعام هاهنا وجوه ثلاثة: الأول: أنه الذبائح ، يعني أنه يحل لنا أكل ذبائح أهل الكتاب ، وأما المجوس فقد سن فيهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاس نسائهم ، وعن علي Bه أنه استثنى نصارى بني تغلب ، وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلاّ شرب الخمر ، وبه أخذ الشافعي C . وعن ابن عباس Bهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس به ، وبه أخذوا أبو حنيفة C .

والوجه الثاني: أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة ، وهو منقول عن بعض أئمة الزيدية ، والثالث: أن المراد جميع المطعومات ، والأكثرون على القول الأول ورجحوا ذلك من وجوه: أحدها: أن الذبائح هي التي تصير طعامًا بفعل الذابح ، فحمل قوله { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب } على الذبائح أولى ، وثانيها: أن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم ، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة ، وثالثها: ما قبل هذه الآية في بيان الصيد والذبائح ، فحمل هذه الآية على الذبائح أولى .

ثم قال تعالى: { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } أي ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله أن نطعمهم من ذبائحنا ، وأيضًا فالفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة في الجانبين ، وإباحة الذبائح كانت حاصلة في الجانبين ، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك تنبيهًا على التمييز بين النوعين .

ثم قال تعالى: { والمحصنات مِنَ المؤمنات } وفي المحصنات قولان: أحدهما: أنها الحرائر ، والثاني: أنها العفائف ، وعلى التقدير الثاني يدخل فيه نكاح الأمة ، والقول الأول أولى لوجوه: أحدها: أنه تعالى قال بعد هذه الآية { إذا آتيتموهن أجورهن } ومهر الأمة لا يدفع إليها بل إلى سيدها ، وثانيها: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات } [ النساء: 25 ] أن نكاح الأمة إنما يحل بشرطين: عدم طول الحرة ، وحصول الخوف من العنت ، وثالثها: أن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهرًا على تحريم نكاح الزانية ، وقد ثبت أنه غير محرم ، أما لو حملنا المحصنات على الحرائر يلزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات ، ورابعها: أنا بينا أن اشتقاق الاحصان من التحصن ، ووصف التحصن في حق الحرة أكثر ثبوتًا منه في حق الأمة لما بينا أن الأمة وإن كانت عفيفة إلاّ أنها لا تخلو من الخروج والبروز والمخالطة مع الناس بخلاف الحرة ، فثبت أن تفسير المحصنات بالحرائر أولى من تفسيرها بغيرها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت