فهرس الكتاب

الصفحة 2506 من 8321

قوله تعالى: { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بالقسط } هذا أيضًا متصل بما قبله ، والمراد حثهم على الانقياد لتكاليف الله تعالى .

واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها محصورة في نوعين: التعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله ، فقوله { كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ } إشارة إلى النوع الأول وهو التعظيم لأمر الله ، ومعنى القيام لله هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية ، وقوله { شُهَدَاء بالقسط } إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان: الأول: قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك ، ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك . الثاني: قال الزجاج: المعنى تبينون عن دين الله ، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه .

ثم قال تعالى: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } أي لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا ، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم ، وفي الآية قولان: الأول: أنها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم وتجاوزوا الحد فيهم ، بل اعدلوا فيهم وإن أساؤا عليكم ، وأحسنوا إليهم وإن بالغوا في إيحاشكم ، فهذا خطاب عام ، ومعناه أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدًا إلاّ على سبيل العدل والانصاف ، وترك الميل والظلم والاعتساف ، والثاني: أنها مختصة بالكفار فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام .

فإن قيل: فعلى هذا القول كيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا بقتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم؟

قلنا: يمكن ظلمهم أيضًا من وجوه كثيرة: منها أنهم إذا أظهروا الإسلام لا يقبلونه منهم ، ومنها قتل أولادهم الأطفال لاغتمام الآباء ، ومنها إيقاع المثلة بهم ، ومنها نقض عهودهم ، والقول الأول أولى .

ثم قال تعالى: { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } فنهاهم أولًا عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل/ ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدًا وتشديدًا ، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله { هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } ونظيره قوله { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة: 237 ] أي هو أقرب للتقوى ، وفيه وجهان ، الأول: هو أقرب إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى ، والثاني: هو أقرب إلى الاتقاء من عذاب الله وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه .

ثم ذكر الكلام الذي يكون وعدًا مع المطيعين ووعيدًا للمذنبين وهو قوله تعالى: { واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } يعني أنه عالم بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت