اعلم أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد أتبعه بعقاب من قعد عنه ورضي بالسكون في دار الكفر ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال الفرّاء: إن شئت جعلت { توفاهم } ماضيًا ولم تضم تاء مع التاء ، مثل قوله: { إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا } [ البقرة: 70 ] وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخبارًا عن حال أقوام معينين انقرضوا ومضوا ، وإن شئت جعلته مستقبلًا ، والتقدير: إن الذين تتوفاهم الملائكة ، وعلى هذا التقدير تكون الآية عامة في حق كل من كان بهذه الصفة .
المسألة الثانية: في هذا التوفي قولان: الأول: وهو قول الجمهور معناه تقبض أرواحهم عند الموت .
فإن قيل: فعلى هذا القول كيف الجمع بينه وبين قوله تعالى: { الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا } [ الزمر: 42 ] { الذى خَلَقَ الموت والحياة } [ الملك: 2 ] { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [ البقرة: 28 ] وبين قوله: { قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت الذى وُكّلَ بِكُمْ } [ السجدة: 11 ] .
قلنا: خالق الموت هو الله تعالى ، والرئيس المفوض إليه هذا العمل هو ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه .
القول الثاني: { توفاهم الملائكة } يعني يحشرونهم إلى النار ، وهو قول الحسن .
المسألة الثالثة: في خبر ( إن ) وجوه: الأول: أنه هو قوله: قالوا لهم فيم كنتم ، فحذف «لهم» لدلالة الكلام عليه . الثاني: أن الخبر هو قوله: { فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } فيكون ( قالوا لهم ) في موضع { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } ، لأنه نكرة . الثالث: أن الخبر محذوف وهو هلكوا ، ثم فسّر الهلاك بقوله: { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } أما قوله تعالى: { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: قوله: { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } في محل النصب على الحال ، والمعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم ، وهو وإن أضيف إلى المعرفة إلا أنه نكرة في الحقيقة ، لأن المعنى على الانفصال ، كأنه قيل ظالمين أنفسهم ، إلا أنهم حذفوا النون طلبًا للخفة ، واسم الفاعل سواء أُريد به الحال أو الاستقبال فقد يكون مفصولًا في المعنى وإن كان موصولًا في اللفظ ، وهو كقوله تعالى: { هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } [ الأحقاف: 24 ] { هَدْيًا بالغ الكعبة } [ المائدة: 95 ] { ثَانِىَ عِطْفِهِ } [ الحج: 9 ] فالإضافة في هذه المواضع كلها لفظية لا معنوية .
المسألة الثانية: الظلم قد يراد به الكفر قال تعالى: { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: 13 ] وقد يراد به المعصية { فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ } [ فاطر: 32 ] وفي المراد بالظلم في هذه قولان: الأول: أن المراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك ، ولم يهاجروا إلى دار الإسلام . الثاني: أنها نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفًا ، فإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا لهم الكفر ولم يهاجروا إلى المدينة ، فبيّن الله تعالى بهذه الآية أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة .
وأما قوله تعالى: { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } ففيه وجوه: أحدها: فيم كنتم من أمر دينكم . وثانيها: فيم كنتم في حرب محمد أو في حرب أعدائه . وثالثها: لم تركتم الجهاد ولم رضيتم بالسكون في ديار الكفار؟