في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه أظهر حجة الله تعالى في التوحيد ونصرها وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه . فأولها: قوله: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم } والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها وأوقفنا عقله على حقيقتها . وذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة وهو كناية الجمع على وفق ما يقوله عظماء الملوك . فعلنا ، وقلنا ، وذكرنا . ولما ذكر نفسه تعالى ههنا باللفظ الدال على العظمة وجب أن تكون تلك العظمة عظمة كاملة رفيعة شريفة ، وذلك يدل على أن إيتاء الله تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم ، ومن أجل مراتب العطايا والمواهب . وثانيها: أنه تعالى خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة . وهي قوله: { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } وثالثها: أنه جعله عزيزًا في الدنيا ، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله ، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة ، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك ، والمقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم الله على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد ، فقال: { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق } لصلبه { وَيَعْقُوبَ } بعده من إسحق .
فإن قالوا: لم لم يذكر إسمعيل عليه السلام مع إسحق ، بل أخر ذكره عنه بدرجات؟ قلنا: لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل ، وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب . وأما إسمعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد A ، ولا يجوز ذكر محمد E في هذا المقام ، لأنه تعالى أمر محمدًا E أن يحتج على العرب في نفي الشرك بالله بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا ، ومن النعم العظيمة في الدنيا أن آتاه الله أولادًا كانوا أنبياء وملوكًا ، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد E امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض ، فلهذا السبب لم يذكر إسمعيل مع إسحق .
وأما قوله: { وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ } فالمراد أنه سبحانه جعل إبراهيم في أشرف الأنساب ، وذلك لأنه رزقه أولادًا مثل إسحق ، ويعقوب . وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما ، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل نوح . وإدريس ، وشيث . فالمقصود بيان كرامة إبراهيم عليه السلام بحسب الأولاد وبحسب الآباء .
أما قوله: { وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وسليمان } فقيل المراد ومن ذرية نوح ، ويدل عليه وجوه: الأول: أن نوحًا أقرب المذكورين وعود الضمير إلى الأقرب واجب . الثاني: أنه تعالى ذكر في جملتهم لوطًا وهو كان ابن أخ إبراهيم وما كان من ذريته ، بل كان من ذرية نوح عليه السلام ، وكان رسولًا في زمان إبراهيم . الثالث: أن ولد الإنسان لا يقال أنه ذريته ، فعلى هذا إسمعيل عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم ، بل هو من ذرية نوح عليه السلام . الرابع: قيل إن يونس عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام ، وكان من ذريةنوح عليه السلام .